البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٩٣ - مدح اللسن و البيان و الكلام الجميل المعدل
و المرأة، و في باب القول في الإنسان من كتاب الحيوان، أليق و أزكى، لذكرناه في هذا الموضع.
و مما ذكروا فيه الوزن قوله:
زني القول حتى تعرفي عند وزنهم # إذا رفع الميزان كيف أميل
و قال ابن الزبير الأسديّ، و اسمه عبد اللّه [١] :
أعاذل غضي بعض لومك إنني # أرى الموت لا يرضى بدين و لا رهن
و إني أرى دهرا تغيّر صرفه # و دنيا أراها لا تقوم على وزن
و يذكرون الكلام الموزون و يمدحون به، و يفضّلون إصابة المقادير، و يذمون الخروج من التعديل.
قال جعفر بن سليمان: ليس طيب الطعام بكثرة الإنفاق و جودة التوابل، و إنما الشأن في إصابة القدر. و قال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمنا # على البراذين أشباه البراذين
أعطاهم اللّه أموالا و منزلة # من الملوك بلا عقل و لا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجية # و من أثاث و قول غير موزون [٢]
و أنشدني بعض الشعراء:
رأت رجلا أودى السفار بجسمه # فلم يبق إلا منطق و جناجن
إذا حسرت عنه العمامة راعها # جميل الحفوف أغفلته الدواهن
فإن أك معروق العظام فإنني # إذا ما وزنت القوم بالقوم وازن
(الجناجن: عظام الصدر) .
[١] ابن الزبير الأسدي: عبد اللّه بن الزبير الخزيمي. ولد و نشأ في الكوفة في العصر الأموي، و قد تعصب للأمويين و مدحهم، و لما غلب ابن الزبير على الكوفة مال إليه و مدحه، و مات أعمى في خلافة عبد الملك بن مروان.
[٢] سفواء: خفيفة سريعة.