البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١١ - شبيب بن شيبة
و أول هذه القصيدة قوله:
أبا دلف دلفت حاجتي # إليك و ما خلتها بالدلوف
و يظنون أن الخريمي إنما احتذى في هذا البيت على كلام أيوب بن القريّة حين قال له بعض السلاطين: ما أعددت لهذا الموقف؟قال: «ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف: دنيا، و آخرة، و معروف» .
[شبيب بن شيبة]
و حدثني صالح بن خاقان، قال: قال شبيب بن شيبة: «الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء، و بمدح صاحبه، و أنا موكل بتفضيل جودة القطع، و بمدح صاحبه. و حظ جودة القافية و إن كانت كلمة واحدة، أرفع من حظ سائر البيت» . ثم قال شبيب: «فإن ابتليت بمقام لا بد لك فيه من الإطالة، فقدم أحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدم في أحكام البلوغ في شرف التجويد. و إياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فإن قليلا كافيا خير من كثير غير شاف» .
و يقال إنهم لم يروا خطيبا قط بلديا إلا و هو في أول تكلفه لتلك المقامات كان مستثقلا مستصلفا أيام رياضته كلها، إلى أن يتوقح و تستجيب له المعاني، و يتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة، فإنه قد ابتدأ بحلاوة و رشاقة، و سهولة و عذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره.
قالوا: و لما مات شبيب بن شيبة أتاهم صالح المري [١] ، في بعض من أتاهم للتعزية، فقال: «رحمة اللّه على أديب الملوك، و جليس الفقراء، و أخي المساكين» .
[١] صالح المري أحد رواة الحديث البلغاء، توفي سنة ١٧٢ هـ.