البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١ - مقدمة عامة
و نستطيع إضافة سبب آخر حمل الجاحظ على وضع «البيان و التبيين» هو الرد على الشعوبية التي طعنت في بلاغة العرب و موهبتهم الخطابية. و قد كرس لهذه الغاية قسما لا بأس به من الكتاب (باب العصا في الجزء الثالث) .
و يمكننا القول إن كتاب البيان و التبيين أقدم و أهم محاولة لدراسة علم البيان و فلسفة اللغة. و يعتبر الجاحظ رائدا في هذا المضمار لمن جاء بعده أمثال ابن فارس و ابن جني و السيوطي. و قد سبق فرديناد ديسوسر إلى القول بأن فقه اللغة يجب أن يكون فرعا من علم أوسع يشتمل على مختلف أنواع الدلالات سماه الجاحظ علم البيان حيث يقول: «و البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، و هتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته و يهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، و من أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر و الغاية التي يجري القائل و السامع إنما هو الفهم و الإفهام. فبأي شيء بلغت الأفهام و أوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع» [١] .
و قد حصر الجاحظ أنواع البيان بخمسة لا تزيد و لا تنقص هي اللفظ و الإشارة و العقد و الخط و الحال.
و هو يعتبر الإشارة بالجوارح كاليد و الطرف و الحاجب مرفقا كبيرا يعين الناس في أمور يحاولون سترها عن البعض دون البعض. و لولاها لم يستطيعوا التفاهم في معنى خاص الخاص [٢] .
أما الخط أو الكتابة فهو وسيلة التبيين في الكتب، و نقل المعرفة عبر الزمان و المكان، و لولاه لاندثر العلم. و من ثم كانت أهمية الكتب و أفضليتها لأن الكتاب يدرس في كل زمان و مكان بينما لا يعدو اللسان سامعه [٣] .
[١] الجاحظ، البيان و التبيين، ج ١، ص ٥٥.
[٢] المصدر ذاته، ص ٥٧.
[٣] المصدر ذاته، ص ٥٨.