البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٧٤ - ذم فضول الكلام و مدح الصمت
قامت تخاصرني بقنّتها # خود تأطر غادة بكر
كلّ يرى أن الشباب له # في كلّ مبلغ لذة عذر
تخاصرني: آخذ بيدها و تأخذ بيدي. و القنة: الموضع الغليظ من الأرض في صلابة. و الخود: الحسنة الخلق. تأطر: تتثنى. و الغادة: الناعمة الليّنة.
و قال جرير في فوت الرأي:
و لا يتقون الشر حتى يصيبهم # و لا يعرفون الأمر إلا تدبّرا
قال: و مدح النابغة ناسا بخلاف هذه الصفة، فقال:
و لا يحسبون الخير لا شر بعده # و لا يحسبون الشر ضربة لازب
لازب و لازم، واحد، و اللازب في مكان آخر: اليابس. قال اللّه عز و جل: مِنْ طِينٍ لاََزِبٍ . و اللزبات: السنون الجدبة.
و أنشد:
هفا هفوة كانت من المرء بدعة # و ما مثله من مثلها بسليم
فإن يك أخطأ في أخيكم فربما # أصاب التي فيها صلاح تميم
قال: و قال قائل عند يزيد بن عمر بن هبيرة: و اللّه ما أتى الحارث بن شريح بيوم خير قط. قال: فقال الترجمان بن هريم: «إلا يكن أتى بيوم خير فقد أتى بيوم شر» . ذهب الترجمان بن هريم إلى مثل معنى قول الشاعر:
و ما خلقت بنو زمّان إلا # أخيرا بعد خلق الناس طرّا
و ما فعلت بنو زمّان خيرا # و لا فعلت بنو زمّان شرّا
و من هذا الجنس من الأحاديث، و هو يدخل في باب الملح، قال الأصمعي: «وصلت بالعلم، و نلت بالملح» .