البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٧٤ - تنافر الألفاظ و الحروف
قال: و لكل لغة حروف تدور في أكثر كلامها كنحو استعمال الروم للسين، و استعمال الجرامقة للعين [١] .
و قال الأصمعي: ليس للروم ضاد، و لا للفرس ثاء، و لا للسرياني ذال.
[تنافر الألفاظ و الحروف]
قال: و من ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، و إن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض الاستكراه. فمن ذلك قول الشاعر:
و قبر حرب بمكان قفر # و ليس قرب قبر حرب قبر
و لما رأى من لا علم له أن أحدا لا يستطيع أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات في نسق واحد فلا يتعتع و لا يتلجلج، و قيل لهم إن ذلك إنما اعتراه إذ كان من أشعار الجن، صدقوا بذلك.
و من ذلك قول ابن يسير في أحمد بن يوسف حين استبطأه:
هل معين على البكا و العويل # أم معز على المصاب الجليل
ميّت مات و هو في ورق العيش # مقيم به و ظل ظليل [٢]
في عداد الموتى و في عامري الدن # يا أبو جعفر أخي و خليلي
لم يمت ميتة الوفاة و لكن # مات عن كل صالح و جميل
لا أذيل الآمال بعدك إني # بعدها بالآمال حق بخيل
كم لها وقفة بباب كريم # رجعت من نداه بالتعطيل [٣]
ثم قال:
لم يضرها، و الحمد للّه، شيء # و انثنت نحو عزف نفس ذهول
[١] الجرامقة: طائفة من الكلدانيين، أي السريانيين.
[٢] ورق العيش: نضرته و حداثته.
[٣] التعطيل: الاخلاء و ترك الشيء ضياعا.