البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣٢٠
لعمري لقد قام الأصمّ بخطبة # لها في صدور المسلمين غليل
لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي # و فارقت ديني إنني لجهول
و لما قام أحد الخطباء الذين تكلموا عند رأس الاسكندر قال أحدهم:
«الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، و هو اليوم أوعظ منه أمس» . فأخذه أبو العتاهية فقال:
بكيتك يا عليّ بدرّ عيني # فما أغنى البكاء عليك شيّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشر # كذاك خطوبه نشرا وطيا
كفى حزنا بدفنك ثم أني # نفضت تراب قبرك عن يديّا
و كانت في حياتك لي عظات # و أنت اليوم أوعظ منك حيا
و من الأسجاع الحسنة قول الأعرابية حين خاصمت ابنها إلى عامل الماء فقالت: «أ ما كان بطني لك وعاء؟أ ما كان حجري لك فناء؟أ ما كان ثديي لك سقاء؟» . فقال ابنها: «لقد أصبحت خطيبة، رضي اللّه عنك» . لأنها قد أتت على حاجتها بالكلام المتخير كما يبلغ ذلك الخطيب بخطبته.
و قال النّمر بن تولب:
و قالت ألا فاسمع نعظك بخطبة # فقلت سمعنا فانطقي و أصيبي
فلن تنطقي حقا و لست بأهله # فقبّحت مما قائل و خطيب
قال أبو عباد كاتب ابن أبي خالد: ما جلس أحد قط بين يدي إلا تمثل لي أني سأجلس بين يديه.
قال اللّه عز و جل: وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً . ليس يريد بلاغة اللسان، و إن كان اللسان لا يبلغ من القلوب حيث يريد إلا بالبلاغة.
قال: و كانت خطبة قريش في الجاهلية-يعني خطبة النساء-: «باسمك اللهم، ذكرت فلانة و فلان بها مشغوف. باسمك اللهم، لك ما سألت و لنا ما أعطيت» .