البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣١٨
بعد فقد أحسن بك ظنا من أودعك حرمته، و اختارك و لم يختر عليك و قد زوجناك على ما في كتاب اللّه، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» .
قال: و خطب أعرابي و أعجله القول و كره أن تكون خطبته بلا تحميد و لا تمجيد، فقال: «الحمد للّه، غير ملال لذكر اللّه، و لا إيثار غيره عليه» . ثم ابتدأ القول في حاجته.
و سأل أعرابي ناسا فقال: «سأجعل اللّه حظّكم في الخير، و لا جعل حظّ السائل منكم عذرة صادقة» .
و كتب إبراهيم بن سيّابة [١] إلى صديق له كثير المال، كثير الدخل، كثير الناضّ [٢] يستسلف منه نفقة، فكتب إليه: «العيال كثير، و الدخل قليل، و الدّين ثقيل، و المال مكذوب عليه» . فكتب إليه إبراهيم: «إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا، و إن كنت مليما فجعلك اللّه معذورا» .
و قال الشاعر:
لعل مفيدات الزمان يفدنني # بني صامت في غير شيء يضيرها
قال: و قال أعرابي: «اللهم لا تنزلني بماء سوء فأكون امرأ سوء» . و قال أعرابي: «اللهم قني عثرات الكرام» .
قال: و سمع مجاشع الرّبعيّ رجلا يقول: الشحيح أعذر من الظالم. فقال: أخزى اللّه شيئين خيرهما الشح.
قال: و أنشدنا أبو فروة:
إني امتدحتك كاذبا فأثبتني # لما امتدحتك، ما يثاب الكاذب
[١] إبراهيم بن سيّابة، شاعر عباسي من موالي الهاشميين صاحب إبراهيم الموصلي و ابنه إسحاق فمدحهما و تغنيا بشعره و قرباه من الخلفاء و الوزراء.
[٢] الناض: الدراهم.