البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٠ - مقدمة عامة
الجاهلية و الإسلام مخضرم، و قولهم لكتاب اللّه قرانا، و تسميتهم للتمسح بالتراب التيمم، و تسميتهم للقاذف بفاسق. إن ذلك لم يكن في الجاهلية.
و إذا كان للنابغة أن يبتدئ الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة كقوله «و النؤي كالحوض بالمظلومة الجلد» و حتى اجتمعت العرب على تصويبه و على اتباع أثره، و على أنها لغة عربية، فاللّه الذي هو أصل اللغة أحق بذلك» [١] .
و يبدو أن الجاحظ استند في مذهبه إلى القرآن و السماع و نظريته القائلة أن المعرفة تحدث طباعا. و قد اقتفى أثره ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة» و لكن خالفه ابن جني الذي قال إن اللغة اصطلاح، و السيوطي الذي قال إنها تقليد.
و لكن أبا عثمان لم يستطع أن ينكر ما طرأ على اللغة العربية من تطور.
فقد دخلت عليها ألفاظ أعجمية بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب.
فأهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس، علقوا بألفاظ فارسية فسموا البطيخ الخربز، و السميط الرزدق، و المصوص المزوز. و كذلك أهل الكوفة تأثروا بلغة الفرس الذين احتكوا بهم فسموا المسحاة البال و سموا الحوك الباذروج، و سموا القثاء خيارا الخ... [٢] .
و هناك ألفاظ جديدة أوجدها المتكلمون و علماء اللغة في العصر العباسي عن طريق الاشتقاق أو النحت أو الاصطلاح للتعبير عن المعاني الفلسفية و العلمية الجديدة مثل الجوهر و العرض و الهوية و الهذية الخ. يقول الجاحظ موضحا هذه الناحية: «... و هم المتكلمون تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، و هم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، و هم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف، و قدوة لكل تابع. و لذلك قالوا العرض و الجوهر و أيس و ليس، و فرقوا بين البطلان و التلاشي، و ذكروا الهذية و الهوية و الماهية و أشباه ذلك. و كما وضع
[١] الجاحظ، الحيوان، ج ١، ص ٢٨٠-٢٨١.
[٢] الجاحظ، البيان و التبيين، ج ١، ص ١٧-١٨.