البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٩٠ - مدح اللسن و البيان و الكلام الجميل المعدل
و وصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوها كبرود العصب، و كالحلل و المعاطف، و الديباج و الوشي، و أشباه ذلك.
و أنشدني أبو الجماهر جندب بن مدرك الهلاليّ:
لا يشترى الحمد أمنية # و لا يشترى الحمد بالمقصر
و لكنما يشترى غاليا # فمن يعط قيمته يشتر
و من يعتطفه على مئزر # فنعم الرداء على المئزر
و أنشدني لابن ميادة [١] :
نعم إنني مهد ثناء و مدحة # كبرد اليماني يربح البيع تاجره
و أنشد:
فإن أهلك فقد أبقيت بعدي # قوافي تعجب المتمثّلينا
لذيذات المقاطع محكمات # لو أن الشّعر يلبس لارتدينا
و قال أبو قردودة، يرثي ابن عمار [٢] قتيل النعمان و نديمه، و وصف كلامه، و قد كان نهاه عن منادمته:
إني نهيت ابن عمار و قلت له # لا تأمنن أحمر العينين و الشعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم # تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا # و منطقا مثل وشي اليمنة الحبره
و قال الشاعر [٣] في مديح أحمد بن أبي دؤاد:
[١] ابن ميادة هو الرماح بن أبرد نسبة إلى أمه ميادة. مات في صدر خلافة المنصور بعد أن مدحه.
[٢] ابن عمار: هو عمرو بن عمار الطائي، كان شاعرا خطيبا أعجب به النعمان بن المنذر فاتخذه نديما ثم قتله.
[٣] ينسب ياقوت الأبيات للجاحظ نفسه. و من عادة الجاحظ أن يبقى شعره غفلا، أنظر رسالته إلى القواد و رسالته إلى أبي الفرج.