البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٥٤ - مديح اللسان
و إنما صار لهؤلاء المزية على جميع الخلق بالعقل، و بالاستطاعة على التصرف، و بالمنطق.
قال: و قال خالد بن صفوان: ما الإنسان لو لا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة.
قال: و قال رجل لخالد بن صفوان: ما لي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار و تتدارسون الآثار، و تتناشدون الأشعار، وقع عليّ النوم؟قال: لأنك حمار في مسلاخ إنسان [١] .
و قال صاحب المنطق [٢] : حد الإنسان الحي الناطق المبين.
و قال الأعور الشني [٣] :
و كائن ترى من صامت لك معجب # زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم
و لما دخل ضمرة بن ضمرة، على النعمان بن المنذر، زرى عليه، للذي رأى من دمامته و قصره و قلته. فقال النعمان: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» .
فقال: أبيت اللعن!إن الرجال لا تكال بالقفزان، و لا توزن بالميزان، و ليست بمسوك يستقى بها، و إنما المرء بأصغريه: قلبه و لسانه، إن صال صال بجنان، و إن قال قال ببيان» .
و اليمانية تجعل هذا للصقعب النهدي. فإن كان ذلك كذلك فقد أقروا بأن نهدا من معد [٤] .
[١] المسلاخ: الجلد.
[٢] صاحب المنطق: هو الفيلسوف اليوناني أرسطو.
[٣] الأعور الشني: هو بشر بن منقذ بن أسد، حضر يوم الجمل مع علي. و البيتان ليسا له بل هما وردا في معلقة زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي الحكيم.
[٤] ضمرة بن ضمرة من سادات تميم في الجاهلية، و الصقعب النهدي من سادات بني نهد في الجاهلية و ممن وفد على النعمان بن المنذر.