سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٨٢ - باب لحاق اللام الأفعال
وكذلك قوله عز وجل : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (الدخان : ٤٩) [١] وإنما هو في الحقيقة عنده الذليل المهان ، ولكن تقديره ـ والله أعلم ـ إنك أنت الذي كان يقول له رهطه وعشيرته : أنت عزيز كريم. وكذلك قوله تعالى أيضا : (وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ) (الزخرف : ٤٩) [٢] وإنما قالوا هذا بعد إيمانهم به ، ولكن تقديره ـ والله أعلم ـ يا أيها الساحر عند أولئك القوم الذين يدعونك ساحرا ، فأما نحن فنعلم أنك لست ساحرا.
وعلى هذا تأول أهل النظر قوله تعالى : (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات : ١٤٧) [٣] قالوا : معناه وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم فيهم : هؤلاء مائة ألف أو يزيدون.
فهذا الشك إنما دخل الكلام على الحكاية لقول المخلوقين ؛ لأن الخالق جلّ جلاله وتقدست أسماؤه لا يعترضه الشك في شيء من خبره.
وهذا ألطف وأوضح معنى من قول قطرب : إن أو بمعنى الواو ، ومن قول الفراء [٤] : إن أو بمعنى بل. فهذا ما احتملته هذه الآية من القول.
واعلم أن اللام قد لحقت من الحروف موضعين ، جاءت في أحدهما للتوكيد ، وفي الآخر للتوصل إلى النطق بالساكن.
الأول نحو قولك : لعلّ زيدا قائم ، إنما هو علّ ، واللام زائدة مؤكدة.
[١] أسلوب إنشائي في صورة أمر غرضه التحقير. وقوله تعالى (إِنَّكَ أَنْتَ) أسلوب توكيد. والشاهد فيه أي إنك أنت الذي كان يقولون له أهله وعشيرته أنت عزيز حكيم.
[٢] أي قال فرعون وملؤه لموسى : «يا أيها الساحر» وعنوا بـ «الساحر» في هذا الموضع العالم إذ لم يكن السحر عندهم ذما. مختصر تفسير الطبري (ص ٤٣٢). وقولهم : (يا أيها الساحر) أسلوب إنشائي في صورة نداء غرضه التقرير ، وقولهم : «ادع» أسلوب إنشائي في صورة أمر غرضه التعجيز.
[٣] أي أننا أرسلنا ذا النون إلى قوم لو رأيتموهم لقلتم أنهم مائة ألف أو يزيدون. والآية كناية عن الكثرة العددية.
[٤]ذكر ذلك الفراء في معاني القرآن (٢ / ٣٩٣).