سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٤٦ - باب النون
وأما قولهم لا رجلين عندي ، ولا امرأتين فيها ، فإن أبا علي ذهب إلى أن النون إنما ثبتت ههنا وإن كان الاسم مبنيا عنده ، وهو مذهب سيبويه [١] ، من قبل أن النون زيادة لحقت حرف الإعراب كما تلحق الألف الواحد في الشعر نحو : لا رجلا ، وكما لحقت النون في نحو : ضربت اللذين في الدار ، وإن لم يكن الواحد معربا ولا منونا ، وهذا يدفع ما ذهب إليه أبو العباس [٢] وغيره من أن المبني مع لا إذا ثنّي أخرجته التثنية من البناء ، فاعرفه.
وأما ما ذهب إليه البغداذيون [٣] من أنه يجوز حذف نون التثنية ، وإنشادهم في ذلك :
|
قد سالم الحيات منه القدما |
الأفعوان والشّجاع الشّجعما [٤] |
قالوا : أراد : القدمان ، فحذف النون ، ونصبوا الحيات ، وجعلوا الأفعوان وما بعده بدلا منها.
فهذه رواية لا يعرفها أصحابنا ، والصحيح عندنا هو ما رواه سيبويه :
|
قد سالم الحيات منه القدما |
... |
برفع الحيات ونصب القدم ، نصب الأفعوان وما بعده بفعل مضمر دل عليه سالم ؛ لأنه قد علم أنها مسالمة كما أنها مسالمة ، فكأنه قال في ما بعد : وسالمت القدم الأفعوان والشجاع الشجعما ، كما قال أوس بن حجر ، وهو من أبيات الكتاب أيضا [٥] :
[١]الكتاب (١ / ٣٤٨ ـ ٣٤٩) وقد علل إثبات النون قائلا : «وأثبتوا النون لأن النون لا تحذف من الاسم الذي يجعل وما قبله أو ما بعده بمنزلة اسم واحد ، ألا تراهم قالوا : الذين في الدار ، فجعلوا الذين وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جعلا اسما واحدا ولم يحذفوا النون لأنها لا تجيء على حد التنوين ألا تراها لا تدخل في الألف واللام وما لا ينصرف».
[٢]يعني المبرد : المقتضب (٤ / ٣٦٦).
[٣] هو مذهب البغداديين وفيه يجوزون حذف نون التثنية.
[٤] سبق تخريجه.
[٥] هو من أبيات قصيدة لأوس بن حجر ، والبيت في ديوانه (ص ٧٣).