سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٢٦ - باب النون
ونحوه قول الآخر [١] :
|
يا ربّ مثلك في النساء غريرة |
بيضاء قد متّعتها بطلاق [٢] |
أي : مثل لك ، لأن ربّ لا تباشر المعارف المظهرة ، وعلى هذا قالوا : ناقة عبر الهواجر [٣] ، وفرس قيد الأوابد [٤] ، أي : عابرة للهواجر ، ومقيّدة للأوابد.
فلما كثر في كلامهم أن تكون الإضافة لفظية غير معنوية تسمحوا في الأسماء المخلوع عنها تعريف العلم بتعريف الإضافة فقالوا : ضربت زيدك ، وكلّمت عمرك ، ولم يقولوا : جاءني العمرو ، ولا كلّمت الزيد إلا في قلة من الكلام ، لأن اللام لا ينوى فيها الانفصال كما ينوى في الإضافة معنى الانفصال في كثير من الأحوال ، فلا تجد اللام معرّفة للأعلام كما تعرّفها الإضافة في نحو عبد الله وبابه ، وأبي محمد ونحوه ، فيعلم بهذا أن التعريف باللام ألزم في اللفظ عندهم مما تعرف بالإضافة لما قدمنا ذكره ، فلذلك احتملوا أن يقولوا زيدنا ومحمدكم ، ولم يقولوا البكر ولا العمرو إلا شاذا.
فإن قلت : فقد قالوا العباس والحارث والعلاء والفضل ، وقد نراهم عرّفوا العلم باللام كما عرّفوه بالإضافة في نحو عبد الله وأبي بكر!
فالجواب : أن العباس والحارث والعلاء والفضل ونحو ذلك من الأوصاف الغالبة والمصادر المقدر فيها جريانها أوصافا إنما تعرفت بالوضع دون اللام ، وإنما أقرت اللام فيها بعد النقل وكونها أعلاما مراعاة لمذهب الوصف فيها قبل النقل ، وقد تقدم تفسيرنا ذلك في صدر هذا الكتاب وغيره.
[١]هو لأبي محجن الثقفي كما ذكر ذلك صاحب الكتاب (١ / ٢١٢) ، وفي المقتضب (٤ / ٢٨٩) ولكن لم ينسبه.
[٢]غريرة : أي غير مجربة بينة الغرارة ، والغرة : الغفلة. لسان العرب (٥ / ١٢) مادة / غرر. والشاهد فيه قوله (مثلك) والتقدير (مثل لك).
[٣]الهواجر : (م) هاجرة ، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر. القاموس المحيط (٢ / ١٥٨). عابرة للهواجر : أي عابرة للصحراء الشديدة الحرارة.
[٤]الأوابد : الوحوش : وقد أبد الوحش يأبد أبودا ، ومنه تأبد الموضع إذا توحش وخلا من القطان ومنه قيل للفذ آبدة لتوحشه عن الطباع. القاموس المحيط (١ / ١٧٣).