سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٨١ - باب لحاق اللام الأفعال
المزجور مجيبا : ما هو إلا الحق ، فتقول أنت منكرا عليه ومتعجبا منه : هذا يقول : الباطل حق ، ويقول : الغيّ رشد ، وهو لم يقل إنه باطل ، ولا إنه غيّ ، بل هو يعتقد فيه ضدّ البطلان والغواية [١] ، ولكن صار تقديره : هذا يقول : إن ما يفعله ـ وهو باطل عندي ـ حقّ عنده ، فسمّيته باطلا على طريق الحكاية لا على أنه على الحقيقة عنده باطل ، وكيف يجوز أن يعتقد فيه أنه باطل ، ثم يعتقد مع ذلك أنه حق ، هذا ظاهر التناقض.
فكذلك قوله عز اسمه : (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) (الحج : ١٣) [٢] معناه : يقول : إن معبوده الذي ضرّه أقرب من نفعه عندي إله عنده ، وقد جاءت هذه الحكاية عنهم مجيئا متسعا.
أنشدني أبو علي لرجل يهجو جريرا [٣] :
|
أبلغ كليبا ، وأبلغ عنك شاعرها |
أني الأغرّ وأني زهرة اليمن [٤] |
فقال جرير مجيبا :
|
ألم تكن في وسوم قد وسمت بها |
من حان موعظة يا زهرة اليمن [٥] |
فسماه زهرة اليمن على مذهب الحكاية لقوله ، أي : يا من قال إني زهرة اليمن ، ولست عندي كذلك.
[١]الغواية : الإمعان في الضلال. القاموس المحيط (٤ / ٣٧٢).
[٢] سبق التعليق عليها.
[٣]جريرا : يقال أن هذا الرجل الذي يهجو جرير هو زهرة اليمن. انظر / الخصائص (٢ / ٤٦١).
[٤] أبلغ : أسلوب إنشائي في صورة أمر غرضه التعظيم. الأغر : الرجل الذي كرمت فعاله واتضحت فهو أغر وهي غراء. (ج) غر. زهرة اليمن : كناية عن التلألأ والإشراق ، والأزهر كل أبيض صاف مشرق مضيء ، وزهرة اليمن أي بهجتها ومتاعها.
[٥]ألم تكن : أسلوب إنشائي في صورة استفهام غرضه التحقير. يا زهرة اليمن : أسلوب إنشائي في صورة نداء غرضه التهكم والسخرية. الشاهد فيه قوله (يا زهرة اليمن) والتقدير أي يا من قال إني زهرة اليمن. وانظر / ديوانه (ص ٧٤٦).