سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٢٩ - باب النون
وأما أبنان فجبلان متقابلان لا يفارق واحد منهما صاحبه ، فجريا لاتصال بعضهما ببعض مجرى المسمى الواحد ، نحو بكر وقاسم ، فكما خص كل واحد من الأعلام باسم يقيّده من أمته ، كذلك خص هذان الجبلان باسم يقيّدهما من سائر الجبال لأنهما قد جريا مجرى الجبل الواحد ، فكما أن ثبيرا ، وهبّودا ، ويذبل ، لما كان كل واحد منهما جبلا واحدا أجزاؤه متّصل بعضها ببعض خصّ باسم له لا يشارك فيه ، فكذلك أبانان لما لم يفترق بعضهما من بعض ، وكانا لذلك كالجبل الواحد ، خصّا باسم علم ، كما خصّ يذبل ، ويرمرم [١] ، وسحام [٢] ، كل واحد منها باسم علم.
أنشد خلف الأحمر [٣] :
|
لو بأبانين جاء يخطبها |
رمّل ما أنف خاطب بدم [٤] |
وحال عمايتين ـ وهما جبلان متناوحان ـ حال أبانين.
أنشدني أبو علي [٥] :
|
لو أنّ عصم عمايتين ويذبل |
سمعا حديثك أنزلا الأوعالا [٦] |
[١]يرمرم : جبل. القاموس المحيط (٤ / ١٢٢).
[٢]وسحام : اسم موضع. لسان العرب (١٢ / ٢٨٢) مادة / سحم.
[٣]جاء ذلك في مغني اللبيب (٥ / ٢٧٤) ، وخلف الأحمر أحد الرواة المشهورين في رواية الشعر.
[٤]البيت نسبه صاحب المفصل إلى المهلهل بن ربيعة (١ / ٤٦) ، وجاء في اللسان في مادة (أبن) ونسبه أيضا إلى المهلهل. أبانان : جبلان في البادية ، ويقال هما أبان الأبيض والأسود. رمل : أي رش عليه الرمل. والشاهد فيه معاملة الجبلين كجبل واحد لا تفترق أحدهما عن الآخر في قوله (أبانين).
[٥] وفي روايته لما أنشده أبو علي تأكيد على صدق حجته وصحة مذهبه.
[٦]البيت لجرير في ديوانه (ص ٥٠). عمايتين : جبلين. الأوعالا : (م) وعل : وهو تيس الجبل أي ذكر الأروى وهو جنس من المعز الجبلية له قرنان قويان منحنيان كسيفين أحدبين. القاموس المحيط (٤ / ٦٥). يقول الشاعر : لو أن الجبلين سمعا كلامك لهبطت الوحوش منهما تلبية لك واستئناسا بحديثك. والشاهد فيه قوله (عصم عمايتين ويذبل) والتقدير : عصم عمايتين وعصم يزبل فحذف المضاف.