سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٧٧ - باب لحاق اللام الأفعال
فإن قلت : فعلام تجيز كون من شرطا وقد قدّمت قبح ذلك؟
فالجواب : أن جواز ذلك على أن تجعل «علموا» نفسها قسما ، وقد استعملتها العرب بمعنى القسم ، ومن أبيات الكتاب [١] :
|
ولقد علمت لتأتينّ منيّتي |
إنّ المنايا لا تطيش سهامها [٢] |
فكأنه قال : والله لتأتينّ منيّتي.
فإن قلت : فإذا جعلت علموا جاريا مجرى القسم بما ذكرته ، وعندك أن اللام في لقد دالة على القسم المحذوف ، فكأنه عندك : والله لقد علموا ، وقوله : (لَقَدْ عَلِمُوا) جار مجرى القسم ، فكيف يجوز على هذا دخول القسم على القسم ، أولا ترى أن سيبويه والخليل [٣] ذهبا في قوله تعالى ذكره : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها. وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها) (الشمس : ١ ، ٢) [٤] أن جميع ما بعد الواو الأولى من الواوات إنما هو واو عطف ، وليس بواو قسم لئلا يدخل قسم على قسم ، فيبقى الأول منهما غير مجاب؟
فالجواب : أن ذلك إنما جاز في علموا من حيث كان إنما هو في معنى القسم ، وليس قسما صريحا ، وإنما هو بمنزلة أشهد لقد كان كذا ، وما جرى مجرى هذا مما ليس بقسم محض ، فلأجل هذا جاز أن تكون من في قوله سبحانه : (لَمَنِ اشْتَراهُ) شرطا ، واللام في أولها مؤكدة للشرط ، فاعرف ذلك إن شاء الله.
وذهب أبو إسحاق في قوله جل ثناؤه : (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) (الحج : ١٣) [٥] إلى أن التقدير : يدعو من لضرّه أقرب من نفعه.
[١]نسب البيت صاحب الكتاب إلى لبيد بن ربيعة العامري وهو مذكور في معلقته (١ / ٤٥٦).
[٢]الشاهد فيه وشرحه. انظر / شذور الذهب (ص ٣٦٥) شاهد ١٨٥.
[٣]الكتاب (٢ / ١٤٦) والآية التي ذكرها سيبويه في هذه المسألة قوله تعالى : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) (الليل : ١ ـ ٣).
[٤] الأسلوب إنشائي في صورة قسم غرضه التوكيد. والشاهد في الآية أن جميع الواو حرف عطف.
[٥] أي يدعو آلهة لضرها في الآخرة أقرب من نفعها. والشاهد فيه تقديم اللام عن موضعها ، والتقدير يدعو من لضره أقرب من نفعه. وهذا رأي البصريين والكوفيين.