سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٣٠٨ - إبدال الألف عن الياء والواو
ومن ذلك «رمى ، وسعى ، ودعا ، وعدا» لقولك : «الرّمي ، والسّعي ، والعدو والدّعو» فهذا حكم الياء والواو ، متى تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفا إلا أن يضطر أمر إلى ترك قلبهما ، وذلك نحو قولك للاثنين : «قضيا ، ورميا ، وخلوا ، ودعوا» وإنما صحتا هنا ولم تقلبا ألفا ، لأنهم لو قلبوهما ألفا وبعدها ألف تثنية الضمير لوجب أن تحذف إحداهما لالتقاء الساكنين ، فيزول لفظ التثنية ، ويلتبس الاثنان بالواحد. ونحو من ذلك قولهم : «النّفيان» و «الغليان» و «الصّميان» [١] و «العدوان» [٢] و «النّزوان» [٣] و «الكروان» [٤] ، ألا ترى أنهم لو قلبوا الياء والواو هنا ألفين وبعدهما ألف «فعلان» لوجب حذف إحداهما ، وأن تقول «نفان» و «غلان» و «صمان» و «عدان» و «نزان» و «كران» فيلتبس «فعلان» مما اعتلت لامه بـ «فعال» مما لامه نون ، فترك ذلك لذلك.
وربما جاء شيء من ذلك على أصله صحيحا غير معلّ ليكون دليلا على الأصول المغيّرة ، وذلك قولهم «الصّيد» [٥] و «الحيد» و «الجيد» [٦] و «القود» [٧] و «الأود» [٨] و «الحوكة» و «الخونة» جمع «حائك» [٩] و «خائن» فأما قولهم في «ييأس» : «ياءس» وفي «يوجل» : «ياجل» فإنما قلبوا الياء والواو فيهما وإن كانتا ساكنتين تخفيفا ، وذلك أنهم رأوا أن جمع الياء والألف أسهل عليهم من جمع الياءين ، والياء والواو ، وقد حملهم طلب الخفة على أن قالوا في «الحيرة» : «حاريّ» وفي «طيّئ» : «طائيّ» قال [١٠] :
|
فهي أحوى من الرّبعيّ خاذلة |
والعين بالإثمد الحاريّ مكحول [١١] |
[١]الصميان : الشديد المحتنك السن ، والشجاع الصادق الحملة ، والسرعة. اللسان (١٤ / ٤٦٩).
[٢]العدوان : الشديد العدو. لسان العرب (١٥ / ٣١) مادة / عدا.
[٣]النزوان : مصدر نزا الفحل ، أي : وثب. لسان العرب (١٥ / ٣١٩) مادة / نزا.
[٤] الكروان : طائر طويل الرجلين أغبر ، نحو الحمامة ، له صوت حسن.
[٥] الصّيد : الكبر.
[٦] الجيد : طول العنق وحسنه.
[٧] القود : القصاص.
[٨] الأود : الاعوجاج.
[٩]حائك : الذي ينسج الثياب. لسان العرب (١٠ / ٤١٨) مادة / حيك.
[١٠]هو طفيل الغنوي ، والبيت في ديوانه (ص ٥٥) والكتاب (١ / ٢٤٠).
[١١] الأحوى : أسود ليس بشديد السواد. الربعي : ما نتج في الربيع.