سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٧٠ - باب النون
فالجواب عن ذلك ما ذهب إليه الخليل وسيبويه [١] ، وذلك أنهما ذهبا إلى أن هذا لّما كان جمعا ، والجمع أثقل من الواحد ، وهو أيضا الجمع الأكبر الذي تتناهى إليه الجموع ، وذلك أنك تقول : كلب وأكلب ، ثم تجمع الجمع ، فتقول أكالب ، ونحوه عبد وأعبد وأعابد ، قال أبو داود [٢] :
|
لهق كنار الرأس بال |
علياء تذكيها الأعابد [٣] |
ويقولون : سقاء [٤] وأسقية وأساق ، وشفاء [٥] وأشفية وأشاف ، فزاده ما ذكرناه ثقلا ، ووقعت مع ذلك في آخره الياء ، وهي مستثقلة ، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوه بحذف يائه ، فلما حذفت الياء نقص عن مثال مفاعل ، وصار جوار وغواش بوزن جناح ، فدخله التنوين لنقصانه عن مثال مفاعل ، فقلت : جوار وغواش ومجار.
يدلك على أنه لما نقص في حال الرفع والجر عن مثال مفاعل لحقه التنوين لنقصانه أنك إذا صرت إلى حال النصب ، فجرى مجرى الصحيح كما من عادة المنقوص إذا نصب فأتممته ، لم تصرفه ، فقلت : رأيت جواري وغواشي وعوالي ، ونحو ذلك.
وذهب أبو إسحاق إلى أن التنوين في جوار ونحوه إنما هو بدل من الحركة الملقاة لثقلها عن الياء ، فلما جاء التنوين حذفت الياء لالتقاء الساكنين هي والتنوين ، كما حذفت من المنصرف في نحو قاض وغاز ومشتر ومتعال.
وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق غير مرضي من القول ، ولا سائغ في القياس ، وقد ترك قول سيبويه والخليل [٦] ، وخالفهما إلى خلاف الصواب ، وذلك أن الياء في باب جوار ونحوه في الرفع والجر قد عاقبت الحركة ، فلم تجتمع معها ، فلما ناوبتها
[١]سيبويه : الكتاب (٢ / ٥٦ ـ ٥٧).
[٢] البيت ينسب لأبي داود الإيادي في ديوانه (ص ٣٠٧).
[٣]لهق : أي أبيض. القاموس المحيط (٣ / ٢٨١). والشاهد في قوله (الأعابد) حيث جمعت جمع الجمع.
[٤]سقاء : وعاء من جلد يكون للماء واللبن. القاموس المحيط (٤ / ٣٤٣).
[٥] شفاء : دواء.