سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٢١٧ - حكومة عبد الملك السوداء
والعبادة والورع، وكان يسمّى حمامة المسجد لمداومته تلاوة القرآن[١]، فلمّا مات أبوه وبُشّر بالخلافة أطبق المصحف وقال: هذا فراق بيني و بينك وهذا آخر العهد بك.[٢]
إنّه فارق القرآن حقاً، وقد انمسخت شخصيته جرّاء غروره بقوته وقدرته لدرجة جعلت المؤرّخين يذكرون صحيفة أعماله السوداء بمرارة، فقد كتب السيوطي وابن الأثير: وهو أوّل من غدر في الإسلام، وأوّل من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء ـ و قد قتل عمرو بن سعيد بن العاص بعد منحه الأمان ـ و أوّل من نهى عن الأمر بالمعروف.[٣]
وبعد سنتين من انتصاره على عبد اللّه بن الزبير في مكة عام ٧٥هـ وخلال سفرة حجه بالناس خطب عبد الملك بالمدينة وقال: فإنّي لست بالخليفة المستضعف ـ يعني عثمان ـ و لا بالخليفة المداهن ـ معاوية ـ و لا بالخليفة المأفون ـ يزيد ـ ألا و إنّي لا أُداوي هذه الأُمّة إلاّبالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، وانّكم تكلّفوننا أعمال المهاجرين الأوّلين ولا تعملون أعمالهم، وانّكم تأمروننا بتقوى اللّه وتنسون ذلك من أنفسكم، واللّه لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلاّضربت عنقه.[٤]
وقال العبارة الأخيرة، لأنّ الخطباء وأئمّة صلاة الجمعة كانوا يبدأون
[١]تجارب السلف، ص ٧٦.
[٢]تاريخ الخلفاء، ص ٢١٧; الفخري، ص ١٢٢; الكامل في اللغة، المبرد:٢/١٩٢; تجارب السلف، ص ٧٦، تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان:٤/١٠٠.
[٣]تاريخ الخلفاء، ص ٢١٨; الكامل في التاريخ:٤/٥٢٢، وقد كان معاوية يقوم ببعض هذه الأعمال في السابق أيضاً.
[٤] تاريخ الخلفاء:٢١٨; زندگانى على بن الحسين، الشهيدي، ص ٩٨; تاريخ اليعقوبي:٣/٢٠; تاريخ التمدن الإسلامي:٤/٩٩.