سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٣٩٨ - مكر هارون وتظاهره بالتديّن
العمل، ومن هنا كان نفس هؤلاء المتملّقين يعدّون المتوكل العباسي ظل اللّه، ويقولون: إنّ ظل الرحمة هذا قد انتشر من السماء ليقي الناس حرقة الحر.
ومدح ابن هاني شاعر البلاط المتملّق المعز الفاطمي:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار![١]
ولعلّه لم يهتم من بين العباسيين أكثر من هارون الرشيد بهذا الجانب، ولم يستغل ذلك التظاهر مثل ما تظاهر هو.
وكان لهارون إصرار غريب على أن يضفي على جميع أعماله وسلوكه صفة دينية، وكان يضع على جميع جرائمه وخلاعته ومجونه غطاء دينياً، ويعتبرها ومن خلال مجموعة من التبريرات مطابقة للمعايير الدينية.
ويقولون: إنّه قد ذهب إلى مكة في سنة من سني خلافته وخلال أدائه لمناسك الحج دعا كثيراً لطبيبه المسيحي جبريل بن بختيشوع، فانزعج بنو هاشم من ذلك، و قال في مقابل اعتراضهم بأنّه رجل ذمّي غير مسلم لا يجوز الدعاء له: هذا صحيح غير انّ سلامتي وصحتي بيده، وصلاح المسلمين منوط بسلامتي، وعليه فإنّ خير المسلمين وصلاحهم منوط بطول عمره وسلامته، ولا عيب في الدعاء له.[٢]
إنّ منطق هارون هذا منطق غريب، فإنّ جميع المصالح العليا للمجتمع الإسلامي منوطة بوجوده هو وحده وفقاً لمنطقه هذا وتجب التضحية بكلّ شيء حفاظاً على نفسه، لأنّه وحسب ما يقتضيه استدلاله لم يكن مجرّد حاكم بل وجوده ضرورة حيوية للمجتمع الإسلامي، وقد يتصوّر انّ تبرير جميع أعمال شخص
[١]تاريخ التمدن الإسلامي:٤/٢٤٢.
[٢]وعاظ السلاطين، الوردي ص ٥٥.