سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ٣٩٧ - مكر هارون وتظاهره بالتديّن
أن ينظر إليهم كزعماء سياسيين، بل أرادوا مضافاً إلى الزعامة السياسية أن يتمتعوا بطابع ديني أيضاً حتى ينالوا التقدير والاحترام في الرأي العام، وتوجد هناك أمثلة عديدة لتظاهر الخلفاء العباسيين بالتديّن والدين واستلفات عواطف الناس الدينية التي تمثل محاولاتهم المخادعة والمزيفة لاكتساب الطابع الديني .[١]
كتب جرجي زيدان: وانظر إلى الدول العربية التي جمعت بين الخلافة والسلطة كالعباسيين والفاطميين والأمويين في الأندلس مع ما طرأ عليها من أسباب فقد صبرت وطال جهادها، كذلك كان دوام الحكومات الغير عربية كالحكم العثماني الذي كان له طابع ديني أكثر من بقية الحكومات...، و كان هؤلاء و لأجل أن يحظوا بحب الناس يرفعون من شأنهم ويعدّون أنفسهم عباد اللّه المقربين وحكمهم حكماً منزلاً من قبل اللّه تعالى.
ويضيف جرجي زيدان حول تأثير إعلام الخلفاء المخادع على عامة الناس ومدى اعتقاد الناس بهذا الكلام وتصديقهم: واعتقدوا انّ خلافتهم تبقى أبد الدهر حتى يأتي السيد المسيح، وغرس في أذهان الناس بتوالي الازمان انّ الخليفة إذا قتل اختل نظام العالم واحتجبت الشمس وامتنع المطر وجف النبات.[٢]
وقد صدق العباسيون هذه الخزعبلات على أنفسهم أيضاً حتى هارون ـ الذي كان رجلاً فطناً وترقّت الثقافة الإسلامية في عهده ـ كانت تعجبه هذه التملّقات...وإذا كان الخلفاء يعجبهم التملّق لهذه الدرجة وهم في عصر رقي الإسلام وعظمته، فمن الواضح انّ الأوهام ستكون في موضع الحقيقة في عصر الفساد والانحطاط ويأتي المتملّقون و يرضى الحكام والملوك بالكلام أكثر من
[١]ضحى الإسلام، أحمد أمين:٢/١٦٢ـ١٦٣
[٢]ويقصد جرجي زيدان بذلك أهل السنّة، لأنّ الشيعة يرون ومنذ البداية انّ الخلفاء الثلاثة والأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم غاصبين للخلافة ولم يؤمنوا بهم.