سيرة الأئمة عليهم السَّلام - البيشوائي، مهدي - الصفحة ١٧٩ - خطبة العقيلة زينب في الكوفة
قتل فيها الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، فرأيت نساء الكوفة يشققن الجيوب ويبكين، ورأيت علي بن الحسين عليمها السَّلام و هو يقول بصوت ضئيل وقد نحل من المرض:«يا أهل الكوفة إنّكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم؟»ورأيت أُمّ كلثومـ عليها السَّلام ـ [١]ولم أر خفرة قط أنطق منها، كأنّما تفرغ على لسان أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فلما سكنت الأنفاس وهدأت الأجراس، قالت:
«يا أهل الكوفة يا أهل الغدر والختل أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف النطف والصدر الشنف وملق الإماء وغمز الأعداء؟ وهل أنتم إلاّ كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدّمت أنفسكم أن سخط اللّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنحبون؟!
أي واللّه فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وانّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار محجتكم ومدره حجتكم، سنتكم ألا ساء ما تزرون وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من اللّه وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول اللّه فريتم؟! وأي كريمة له أبرزتم؟! وأي دم له سفكتم؟! وأي حرمة له انتهكتم؟! ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملء السماء،
[١]كلما ذكر اسم أُمّ كلثوم بشكل مطلق فالمراد هو زينب الكبرى بنت علي عليمها السَّلام الكبيرة.