خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٢٨ - مقدمة الطبعة الأولى
و هكذا تنتهي رحلة ابن الخطيب، و نلاحظ أن أسلوبه الكتابي فيها، و في كتاب نفاضة الجراب بصفة عامّة، يختلف عن أسلوب رحلاته الأخرى، بمعنى أنه لم يتّخذ طابع فن المقامات المعروف بالسجع و التقفية، بل كان كلاما مرسلا جزلا في غالب الأحيان [٤٤] غير أن أسلوب ابن الخطيب، سواء في هذا أو ذاك، نراه بصفة عامّة بادي التكلّف، مليئا بالصنعة اللفظية و المحسنات البديعيّة التي كانت سائدة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
هذا و قبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع، ينبغي أن نشير إلى أن ابن الخطيب كان يزمع القيام برحلة إلى بلاد المشرق لتأدية فريضة الحج و الاتصال بالأوساط العلميّة فيها. غير أن أعباء منصبه- كما يقول هو- قد حالت دون تحقيق مآربه. إلا أن ابن الخطيب قد نفّس عن هذه الرغبة المكبوتة بأن أرسل ابنه أبا الحسن علي إلى المشرق ليأخذ العلم على علماء عصره هناك، كما أرسل كتبه [٤٥] و أمواله [٤٦] إلى القاهرة ليستفيد بها طلبة العلم هناك.
و بعد فمثل هذه الروح النشطة، و الحيويّة المتدفقة، ثم هذه الدقّة في الملاحظة التي امتازت بها جميع أوصافه و مشاهداته، تدلّ جميعا على أن ابن الخطيب رحّالة من الطراز الأول.
و لا يسعني في ختام هذه المقدمة إلا أن أوجّه خالص شكري إلى صديقي الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني، إذ تفضّل بمراجعة بعض نصوص هذا الكتاب مبديا من الملاحظات و النصائح ما دلّ على غزارة علمه و سموّ أخلاقه.
أحمد مختار العبادي
الإسكندرية يناير ١٩٥٨
[٤٤] المقري: نفح الطيب (ج ٨، ص ٣١٦)
[٤٥] و مثال ذلك كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة و كتاب روضة التعريف بالحب الشريف. و الأول لا زالت توجد منه نسخة برواق المغاربة بالأزهر و الثاني موجود بالمكتبة الظاهرية بدمشق راجع كذلك (المقّري: نفح الطيب ج ١٠، ص ١٦٤- ١٦٥)
[٤٦] انظر (المقري: نفح الطيب ج ٩، ص ٣١١)