خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١٠٥ - المجلس الثاني
تناصف الحرّ و البرد، و تبسّم الزهر و خجل الورد، و كسا غدرانها الحائرة الحلق السرد، قلت انجز للمتقين من الجنّة الوعد، و ساعد العسد، و ما قلت إلا بالذي علمت سعد. و منارها العلم في الفلاة، و منزلته في المآذن منزلة والي الولاة، إلا أن هواءها محكم في الجباه و الجنوب، يحمي عليها بكير الجنوب، و حمياها كلفة بالجسوم، طالبة ديونها بالرسوم، و عقاربها كثيرة الدبيب، منغّصة مضاجعة الحبيب. و خرابها موحش هائل، و بعد الأقطار عن كثير من الأوطار بها حائل، و عدوّها ينتهب في الفتن أقواتها، و جرذان المقابر تأكل أمواتها. و كانت أولى المنازل بالإغياء [٤٧٥] لو أنها اليوم معدودة في الأحياء.
قلت فأغمات [٤٧٦]، قال بلدة لحسنها الاشتهار، و جنّة تجري من تحتها الأنهار، و شمامة تتضوع منها الأزهار، متعددة البساتين، طامية بحار الزياتين، كثيرة الفواكه و العنب و التين. خارجها فسيح، و المذانب فيه تسيح، و هواؤها صحيح، و قبولها بالغريب شحيح، و ماؤها نمير، و ماء وردها ممدّ للبلاد و ممير. إلا أن أهلها يوصفون بنوك و ذهول، بين شبان و كهول، و خرابها يهول، و عدوّها تضيق لكثرته السهول، و أموالها لعدم المنعة في غير ضمان، و نفوسها لا تعرف طعم أمان.
قلت فمدينة مكناسة [٤٧٧]، قال مدينة أصيلة، و شعب المحاسن و فصيلة،
[٤٧٥] الإغياء: بلوغ الغاية في الشرف و الأمر.
[٤٧٦] مدينة أغماتAgmet و تقع في جنوب مدينة مراكش على سفوح جبال أطلس (انظر صفحة ٩٣ حاشية ٣ من هذا الكتاب).
[٤٧٧] مكناسة:(Mequinez) بكسر الميم و سكون الكاف. إحدى مدن المغرب الأقصى، في جنوب غرب فاس سمّيت باسم قبيلة مكناسة البربرية التي اختطتها. و قد ازدهرت هذه المدينة أيام بني مرين، و لا تزال بها مدرسة السلطان أبي عنان فارس، تلفت الأنظار. و لهذه المدينة تاريخ حافل مجيد، و لهذا عنى بها المؤرخون، فكتبوا عنها كتبا كثيرة، نذكر منها: (كتاب الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون) لمحمد بن أحمد بن غازي العثماني المكناسي (فاس ١٣٢٦)؛ و كتاب (إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس) للمولى عبد الرحمن بن زيدان. طبع منه خمسة أجزاء بالمغرب.
انظر (التعريف بابن خلدون ص ٢٢١ حاشية ٣) و الاستزادة في هذا الموضوع راجع: (
Monographie de Mequinez, Journal Asiatique ٥٥٨١, I, p. ١٠١- ٧٤١ )
راجع كذلك(C .Brockelmann :Gesch der Arab .Lit .II ,p .٠٤٢)