مآثر الكبراء في تأريخ سامرّاء - المحلاتي، الشيخ ذبيح الله - الصفحة ٢٥٤ - نبذة من احتجاجاته وما برز من غوامض علمه
يعني بذلك أميّة بن أبي الصلت وأبا مسعود الثقفي ، فأبطل الله اختيارهم ولم يجز لهم آرائهم حيث يقول : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[١] ولذلك اختيار من الأمور ما أحبّ ، ونهى عمّا كره ؛ فمن أطاعه أثابه ، ومن عصاه عاقبه.
ولو فوّض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أميّة بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من محمّد ٦ ، فلمّا أدّب الله المؤمنين بقوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)[٢] فلم لجز لهم الاختيار بأهوائهم ولم يقبل منهم إلّا اتّباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه ؛ فمن أطاعه رشد ، ومن عصاه ضلّ وغوي ، ولزمته الحجّة بما ملّكه من الاستطاعة لاتّباع أمره واجتناب نهيه ، فمن أجل ذلك حرمه ثوابه وأنزل به عقابه ، وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض.
وبذلك أخبر أمير المؤمنين عباية بن ربعي الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل ، فقال له أمير المؤمنين ٧ : سألت عن الاستطاعة تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية ، فقال له امير المؤمنين : قل يا عباية.
قال : وما أقول؟
قال ٧ : إن قلت إنّك تملكها مع الله قتلتك ، وإن قلت تملكها دون الله قتلتك.
قال عباية : فما أقول يا أمير المؤمنين؟
قال : تقول : إنّك تملكها بالله الذي يملكها من دونك فإن يملكها إيّاك كان ذلك
[١] الزخرف : ٣٢.
[٢] الأحزاب : ٣٦.