المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٤٧ - آية النفر
هذا ، وقد يستشكل في الاستدلال المذكور بوجوه . .
الأول : ما يظهر من المحقق الخراساني قدس سره من عدم إطلاق في الآية يقتضي وجوب الحذر عند الانذار ، لأنها مسوقة لبيان وجوب النفر ، لا لبيان كون غاية الانذار الحذر ، ولعل وجوبه مشروط بالعلم .
وفيه : أن سوق الآية لبيان وجوب النفر لا ينافي سوقها لبيان ترتب الانذار على الحذر وكونه غاية له ، كما هو مقتضى تركيبها الكلامي .
نعم ، قد يمنع كون الاطلاق مقتضى تركيبها الكلامي بظهور ( لعل ) في عدم ملازمة ما بعدها لما قبلها وإمكان تخلفه عنه ، فلعل المراد لزوم الحذر في الجملة ولو على تقدير حصول العلم من الانذار ، بأن تعدد المنذرون أو قامت القرينة على صدقهم . نظير قولك : انصح زيدا لعله يقبل ، وأخبره لعله يصدقك .
ولعله إلى ذلك يرجع ما ذكره شيخنا الأعظم قدس سره في منع الاطلاق .
لكنه مندفع : بأن ( لعل ) إنما تقتضي عدم الملازمة بين الحذر نفسه والانذار ، وهو لا ينافي مطلوبية الحذر عقيب الانذار بمقتضى كونه غاية له ، الظاهر في مطلوبيته بمجرده ، نظير قولك : أحسن لزيد لعله ينفعك ، وادفع له عشرة دراهم لعله يتعفف عن الناس ، فإنه ظاهر في كون الاحسان ودفع الدراهم كافيين في حسن النفع والاستغناء من زيد بلا حاجة إلى أمر آخر ، واحتمال دخله مدفوع بالاطلاق .
ولا بد أن يكون عدم ملازمة الغاية لذيها المستفاد من ( لعل ) لأمر آخر كقصور المكلف ، لعدم علمه بكون الشئ غاية للجواب واجبا بتبعه ، كما لعله الحال في مثل : أخبره لعله يصدقك ، أو تقصيره لتجاهله لذلك عصيانا ، كما هو الظاهر في المقام ، لان الامر بالنفر والتفقه والانذار والحذر عام لا يجهله أحد ، خصوصا مع ظهور الآية في كون ذلك مقتضى طبيعة الانذار ، نظرا للسيرة العقلائية المشار إليها آنفا .