المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٤٨ - آية النفر
الثاني : أن الحذر لم يجعل غاية لمطلق الانذار وإن كان من واحد ، لينفع في ما نحن فيه ، بل لانذار الطائفة ، وإخبارهم يوجب غالبا العلم مع فرض كونهم ثقات ، خصوصا في عصر صدور الآية ، بلحاظ قرب الناس من صاحب الشريعة ، الموجب غالبا لانكشاف حال الخبر ، لتيسر القرائن .
فلا تكون الآية واردة جريا على سيرة العقلاء في الاعتماد على الخبر ، بل لبيان لزوم الاستعانة بالغير في تحصيل العلم لمن لا يتيسر له تحصيله بنفسه .
ويشهد به ما ورد من الاستشهاد بها على لزوم النفر لمعرفة الامام مع أنه لا بد فيه من العلم .
وأجاب عن ذلك بعض مشايخنا بأن ظاهر مقابلة الجمع بالجمع إرادة الاستغراق والتفريق ، فالمعنى أن كل واحد من الطائفة ينذر بعضا من قومه ، لا أن مجموع الطائفة ينذرون مجموع القوم ، وهو الذي يقتضيه طبع الحال ، إذ الغالب عدم اجتماع الطائفة المتفقهة في ناد واحد ، بل يذهب كل إلى خاصته فينذرهم بما تفقه فيه .
وفيه : أن ظهور مقابلة الجمع بالجمع في التفريق مختص بما إذا اخذ فيه عنوان لا يصدق على الجمع ، كما في مثل : أكرموا جيرانكم ، وأدبوا أولادكم ، لوضوح أن علاقة الجوار والبنوة لا تقوم بالمجموع من حيث المجموع بل بكل جار وجاره وأب وابنه بنحو التفريق ، دون مثل المقام مما كان نسبة القوم لافراد الطائفة نسبة واحدة ، فإن حمله على التفريق - وإن كان ممكنا - يحتاج إلى دليل .
بل الظاهر أنه لا مجال للبناء عليه في المقام ، ولذا لا يظن من أحد دعوى أنه لو قصر بعض المتفقهين فلم ينذر لم يجب على الباقين استيعاب الباقين بالانذار بل لهم الاكتفاء بانذار بعضهم ، كما هو مقتضى الفريق المدعى .
وأما كون ذلك مقتضى طبع الحال فهو لا يخلو عن غموض ، لامكان أن تكون سيرتهم في تلك العصور على الاجتماع في نوادي رؤسائهم ونحوها مما