المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٦ - الكلام في حرمة الفعل المتجرى به
المقام الأول : في تحقيق حال عمل المكلف الذي يكون به التجري ، وأنه هل يكون محرما شرعا أو لا ؟ وقد يوجه تحريمه بوجوه . .
الوجه الأول : أن الخطابات الأولية بالتكاليف الشرعية الواردة على العناوين الخاصة - كالخمر والصلاة وغيرهما - لا تختص بالمعنونات الواقعية ، بل لا بد من صرفها إلى ما يعتقد بانطباق العناوين عليه وإن كان خطأ ، فيكون مورد التجري مشمولا لاطلاق الأدلة المذكورة أو عمومها .
وقد يستفاد مما ذكره غير واحد توجيه ذلك بدعوى : أن التكليف لا بد أن يتعلق بما هو مقدور للمكلف ، بنحو يقتضي توجه الاختيار والإرادة نحوه ، فالمطلوب الأصلي للمولى توجه اختيار المكلف وإرادته نحو الفعل ، وحيث كان تمام الموضوع للإرادة والاختيار هو الصور الذهنية الحاصلة حين القطع - ولو مع الخطأ - لا المعنونات الواقعية ، لعدم السنخية بينها وبين الاختيار والإرادة اللذين موطنهما النفس ، فيمتنع تأثيرها فيهما ، لزم صرف التكليف بالعناوين الواقعية إلى التكليف بالاختيار المتعلق بالصور الذهنية الحاصلة مع القطع ، فمرجع التكليف بحرمة الخمر - مثلا - إلى التكليف باختيار ترك ما يقطع بكونه خمرا ، كما أن مرجع التكليف بوجوب الصلاة - مثلا - إلى التكليف باختيار فعل ما يقطع بكونه صلاة ، سواء كان القطع مصيبا أم مخطئا .
وفيه . . أولا : أنه مختص بما إذا كان الخطأ في الموضوع الثابت له الحكم ، كالخمر ، ولا يجري فيما لو كان الخطأ في أصل ثبوت الحكم ، كما لو قطع خطأ بحرمة عصير الزبيب مثلا ، إذ لا إطلاق في البين ، حتى يتوهم عمومه لحال الخطأ .
وثانيا : أنه مستلزم لرجوع جميع التكاليف التحريمية إلى تكاليف وجوبية باعمال الاختيار في ترك الحرام ، ولعدم تحقق الامتثال لو فرض موافقة التكليف غفلة من دون إعمال الإرادة والاختيار - نظير ما قيل من أن النهي