المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٢٤ - المقصد الأول في مباحث الحجج
وما ذكره قدس سره متين جدا في مثل المقام مما انحصر دليل الاثبات بالأدلة القطعية ، لما هو المعلوم من لزوم انتهاء أدلة التعبد بغير العلم إلى القطع ، فإن الأدلة المذكورة توجب القطع بالامكان بالمعنى المذكور .
وأما ما ذكره سيدنا الأعظم قدس سره من الاشكال فيه . .
تارة : بأن النزاع في الامكان في رتبة سابقة على النزاع في الوقوع .
وأخرى : بأن النزاع المذكور من قبيل النزاع في أمر عقلي ، فلا يصح الاستدلال عليه بدليل الوقوع ، الذي هو من سنخ الدليل السمعي .
وثالثة : بأن عدم الأثر للنزاع في الامكان مع قطع النظر عن أدلة الوقوع لا يمنع من صحة النزاع ، ويكون النزاع حينئذ علميا محضا ، لا عمليا ، كما هو الحال في كثير من نزاعاتهم .
فهو كما ترى ! لاندفاع الأول : بأن سبق النزاع في الامكان رتبة لا ينافي الاستدلال عليه بدليل الوقوع .
والثاني بأنه لا مانع من إثبات الامر العقلي بالدليل السمعي إذا كان موجبا لليقين به ، بل هو أولى من الأدلة العقلية ، لرجوعه إلى مقدمات حسية بديهية لا مجال لردها بالبراهين العقلية التي قد يستدل بها على الامتناع ، بل تكون شبهة في مقابل البديهة ، ولعله لذا أمر قدس سره في هذا الوجه بالتأمل .
نعم ، لو لم تكن أدلة الوقوع قطعية ، بل قابلة للرد أو التأويل كان النزاع في الامكان مهما ، إذ معه لا حاجة للتأويل ، وبدونه يحتاج له . لكنه لا مجال له في المقام .
والثالث : بأن النزاعات العملية المحضة إنما تحسن مع توقع الأثر العملي لها ولو على بعض مباني المسألة ، لا مع عدم الأثر مطلقا كما في المقام .
والحاصل : أن ما ذكره في الكفاية متين جدا . لكنه راجع إلى عدم الأثر للنزاع في الامكان ، بل يلزم النظر في أدلة الوقوع ابتداء .