المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٤٦ - نصوص العفو عن نية السيئة
وفيه : أن الاعتماد على مثل هذا الظهور في مثل هذه الأمور غير ظاهر الوجه ، لانصراف أدلة الحجية في الظهورات وغيرها إلى الحجية في مقام العمل ، وترتب العقاب لا دخل له بعمل المكلف .
هذا ، مع ظهور غير واحد من النصوص في ثبوت العقاب بفعل مقدمات الحرام ، فتدل على ثبوته في التجري بالأولوية ، مثل ما ورد من أنه إذا تلاقى المسلمان بالسيف فالقاتل والمقتول في النار ، معللا دخول المقتول النار بأنه أراد قتل صاحبه ، وما ورد في عقاب غارس الخمر وعاصرها ومعتصرها [١] ، فإنه شامل لمن يعصرها لشرب نفسه ، مع وضوح كون العقاب حينئذ بملاك القصد إلى المعصية ، وكذا ما ورد في الماشي بالنميمة [٢] وغير ذلك ، فحمل نصوص عدم العقاب على خصوص العزم غير المستتبع للعمل الحاصل في الصورة السادسة ، وعدم شمولها للصورة السابعة والثامنة قريب جدا .
ثم إن عدم العقاب الذي تضمنته النصوص المتقدمة لا ينافي استحقاقه ، الذي هو محل الكلام ، لامكان كونه من باب العفو والتفضل منه تعالى .
نعم ، قد ينافيه خبر مسعدة بن صدقة عن الصادق عليه السلام : ( لو كانت النيات من أهل الفسق يؤخذ بها أهلها إذا لاخذ كل من نوى الزناء بالزناء ، وكل من نوى السرقة بالسرقة ، وكل من نوى القتل بالقتل . ولكن الله عدل كريم ليس الجور من شأنه ، ولكنه يثيب على نيات الخير أهلها وإضمارهم عليها ، ولا يؤاخذ أهل الفسق حتى يفعلوا ) [٣] ، لظهوره في أن مؤاخذة أهل الفسق بنياتهم جور ينافي عدله تعالى ، وجزاء أهل الخير على نياتهم تفضل يناسب كرمه عز اسمه .
[١] راجع الوسائل ج ١٧ : ٣٠١ باب : ٣٤ من أبواب الأشربة المحرمة .
[٢] راجع الوسائل ج ٨ : ٦١٦ ، باب : ١٦٤ من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج لكن لا يعبد ظهور النصوص المذكورة في حرمة نفس النميمة لا في ترتب العقاب على المشي إليها مع قطع النظر عن ترتبها ، إذ لا يبعد كون المراد بالماشي بالنميمة هو النمام لا غير . ( منه )
[٣] الوسائل ج ١ : ٤٠ باب : ٦ من أبواب مقدمة العبادات حديث : ٢١ .