التعارض و التعادل و الترجيح - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٨٢ - التنبيه الثاني التخيير في الإفتاء والقضاء
استدل القائلون بالإفتاء بالتخيير في المسألة الأصولية بما يلي:
أولًا: ان الأحكام الشرعية أصولية كانت أو فرعية يشترك فيها العامي والمجتهد ضرورة عدم تقييد أدلتها بالمجتهدين. ولا ينكر انه في الصدر الأول عمل العوام كالمجتهدين بالأحكام الأصولية والفرعية. والحاصل ان أدلة التقليد تشمل التقليد في المسائل الفرعية الأصولية الشرعية دون الأحكام العقلية فانها لا تشملها. نعم لما إتفق في زماننا هذا وما ضاهاه عدم تمكن سائر المكلفين باستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها وعدم قدرتهم على علاج تعارضها واختلال نظم المعاش بالاشتغال باستفادتها على الوجه الصحيح بل الكثير منهم لا يطيقونه وعدم قابلية ذهن الكثير منهم كان ذلك مانعاً من رجوعهم للمسائل الأصولية نظير المتجزئ في الاجتهاد الذي يعجز عن معرفة بعض الأحكام عن أدلتها. وعليه فيكون ما دل على التخيير بين المتعادلين دالًا على ان التخيير حكم شرعي ثابت للمجتهد ولغيره من العوام وعلى المجتهد إفتاءه به فإن أدى نظره للتخيير البدوي أفتى له بذلك وإن أدى نظره للتخيير الاستمراري أفتى له بذلك. وأما تعيين أحد الطرفين فهو ليس بالحكم الشرعي وإنما هو من رغبات المجتهد ودواعيه النفسية لا لمرجح لأحدهما وإلّا لما كان حكمه التخيير فلا يكون فيه نائبا عن المقلد حتى يجب على المقلد العمل عليه بعينه.
ثانياً: بأن تعيين أحدهما على المقلد لا دليل عليه فهو تشريع محرم لانه يكون حكماً مسنداً للشارع بلا دليل عليه.
ثالثاً: انه في المقام عندنا مسألة أصولية وهي (ان الحكم في المتعادلين المتعارضين العمل بمضمون أيهما شاء) فإذا أجراها المجتهد في الدليلين المتعادلين حصل له قياس صغراه (هذان الخبران المتعارضان متعادلان) وكبراه (وكل خبرين متعارضين متعادلان يتخير في العمل بمضمون أيهما شاء) فينتج هذان الخبران يتخير في العمل بمضمون أيهما شاء. وهي مسألة فرعية موضوعها العمل بمضمون أحد خصوص هذين الخبرين ومحمولها التخيير وعلى المجتهد ان يفتي بها لا ان يفتي بعمله