التعارض و التعادل و الترجيح - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٨ - الفرع الثاني التنافي الذاتي والعرضي
إن قلت ان المعارضة تكون بين الدليلين الأوليين وبين الدليل الثالث فإنه مقتضى الأولين معاً هو نفي امتناع الاجتماع ومقتضى الثالث هو امتناع الاجتماع بين مدلولي الدليلين فيقع الثالث في طرف المعارضة لهما.
قلنا ان الثالث بعد دلالته على التلازم يكون حاكماً لوجهين:
أحدهما: أنه ناظر إليهما ومسوق لبيان حالهما كما هو شأن الحاكم في سائر الأدلة فيكون مقدماً عليها.
وثانيهما: ان دلالة الدليلين على نفي التلازم تكون دلالة إشارة وتبعية وهي لا تعارض دلالة الثالث على ثبوت الملازمة لأنها بالمطابقة الصريحة، وأما ما يتراءى من بعضهم من التصرف في الدليل الثالث بأحد الوجوه التي ذكرناها من تأويل الدليل الثالث أو تخصيصه أو طرحه فإنما هو دفع للتعارض لا علاج للتعارض حيث إنه رأى ان الثالث لا يصلح لإثبات التلازم الموجب لوقوع التعارض بين الأولين وإن الحكم بالتعارض بينهما محتاج إلى دليل آخر لأن هذا الدليل غير صالح له اما لقصور الدلالة أو لضعف السند فلا محالة تصرف فيه بالتأويل أو التخصيص أو الطرح من غير ان يلاحظ النسبة بينه وبينهما بل ولا المرجحات من الطرفين فلو كان تصرفه من جهة علاج التعارض كان عليه ملاحظة ذلك أولًا ثم ارتكاب أحد الوجوه الثلاثة لا التكلم في دلالة الثالث وحده وارتكاب أحد الأمور الثلاثة.
وبالجملة التصرف لعلاج التعارض إنما هو بعد تحقق المقتضي للعمل بهما فيتصرفون في أحدهما لرفع المانع بخلاف التصرف في الثالث فإنه ارتكاب قبل تحقق المقتضي للعمل به بمعنى أنه تصرفه فيه إنما هو من جهة فقد المقتضي للعمل به وشتان بين هذا التصرف والتصرف للعلاج.
والحاصل ان للتعارض صور ثلاثة:
أولها: ان يكون كل منهما منافياً للآخر بذاته بحيث يكون كل منهما يكذّب الآخر كأن أحدهما يدل على وجوب غسل الجمعة والآخر يدل على عدمه أو على حرمته أو نحو ذلك ويسمى هذا التعارض بالتعارض الذاتي.