معرفة العقيدة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٣
إن الآيات الكريمة لتلفتُ نظرنا إلى بداية الطين، بداية التراب الذي ندوس عليه ونمر عليه غير مكترثين، ولقد كنا منه، وإليه سنعود.
ثم تلفت نظرنا إلى مرحلة أخرى هي أقرب إلينا في وجودنا الحالي، وهي مرحلة النطفة، وهي مرحلة يشهدها الأب من ابنه، ولا يستطيع الإنسان إنكارها حين يرى نفسه وهو الآن على هذه القدرات، وعلى هذه الفعاليات، وعلى ما هو عليه من إبداع، واختراع، فلير أحدُنا (نفسه) ماذا كان قبل سنوات يسيرة، أنت قبل عشرين سنة؛ قبل ستة عشرة سنة، قبل أقل من ذلك أو أكثر لم تكن إلا الطين، لم تكن إلا الهباءات المنتشرة، والذرات المتناثرة في هذا الكون العريض، ثم لم تكن إلا النطفة التي لو لم تصل إلى مقرّها في الرحم لكانت في خرقة من خرق تُرمى في المزابل.
(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ) [١]: النطفة لا تُرى بالعين المجردة، تعجّ بهندسة الخلق والإبدّاع، والتكوين العجيب، فيها العبقرية، فيها المهندس الضخم، فيها الفيلسوف المحلق، فيها الإمام الطاهر، فيها الأماني، فيها المشاعر، فيها الطموحات، فيها الإيمان، فيها الروح القتالية، فيها روح الإحسان، فيها مشاعر ومشارب، وأفكار وأفكار، وخواطر وخواطر، وروح تتجاوز الكون كلّه، ولا تقر إلا حيث تصل بشعورها، وبوعيها إلى الخالق العظيم الواحد الأحد.
تأتي الكلمة عن الصادق عليه السلام لتضعنا أمام صورة مبسّطة تزوّدنا بالإيمان العميق «والعجبمن مخلوق يزعم أنّ الله يخفى على عباده» عقل مفلس، روح منغلقة، قلب صلد، وجدان ميت، عين عمياء تلك التي لا ترى الله سبحانه وتعالي في كلّ ذرة من ذرات هذا الكون، وفي كلّ حركة من حركاته، وفي كلّ سكنة من سكناته.
«والعجب من مخلوق يزعم أن الله يخفى على عباده وهو يرى- أي
[١]. الإنسان: ٢.