معرفة العقيدة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦
بينما المسائل الأخرى، قد تمر الحياة على الألف والألفين والمليون والمليونين من الناس، ولا تمرّ على خاطر واحد منهم. هل تتصوّر إنساناً غير متخلّف عقليّاً بدرجة كبيرة، يُميّز ويبلغ ويرشد مدة الحياة الطبيعية، أو أقل من ذلك، ولا ينطرح في نفسه أن لهذا الكون الكبير خالقاً عظيماً مدبّراً، ولو كان هذا الإنسان يعيش بعيداً عن كلّ المؤثرات الحضارية، أو حتى لو كان في قلب الحضارة المادية، وتحت تأثير ضجيجها وصخبِها؟! وحتى الذين يناقشون المسألة ويشكّكون فيها، أنفسُهم مشغولة بفكرة إيمانية، يجدون أنها تريد فرض نفسها على داخلهم، ويحاولون التخلّص من ضغطها، ولا يكادون يستطيعون.
وما يجعلهم يصرّون على المقاومة، هو أنّهم وضعوا أنفسهم من ناحية سلوكية، وحسب المصالح المادية، بحيث يصعب على النفس أن تلتقي مع مقتضى خطّ الإيمان، وتلتزم بتكاليفه.
إنهم هبطوا بأنفسهم من خلال انحراف السلوك، ومن خلال الموقف المعاند لشعاع نور الفطرة بحيث أنَّ هذه النفوس بقيت لا تستطيع أن ترتفع إلى أفق الإيمان، وتلتزم بمقتضى خَطِّه الصاعد.
يقول القرآن الكريم: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً [١] قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [٢]*
[١]. واضحة، جلية، ولا وضوح للآية ما لم تكن نفس قابلة لاستقبالها، والاستفادة من وضوحها، لا تكون الآية واضحة حتى يمكن للنفس أن تتفهمها، وأن تحتضنها، وتتلقّفها، أما لو كانت النفس الإنسانية مغلقة، وكان الكون كله آيات مشعّة والنفس لا قدرة لها حسب خلقتها على استقبال شيء من الآيات لما كانت هذه الآيات مبصرة بحيث أنه يخاطب الإنسان بكونها مبصرة، ويحتج عليه بذلك. «منه حفظه الله»
[٢]. هناك عقل يقول بأن هذه الآيات مبصرة، وهي بحسب طبيعتها آيات مبصرة، لكنّ نفساً لعب بها صاحبها، وانحدر بمستواها، وسدّ منافذها على نور الله تبارك وتعالى، تقول هذا سحر مبين. «منه حفظهالله»