معرفة العقيدة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٦
والسّؤال هناك ليس عن غوامض يَلْتَبِس على الذِّهن الأمرُ فيها، وعن معادلات علميّة معقّدة يعسُر الوصول إليها.
السؤال هناك عن حقائق جليَّة فرّط العبد فيها، وقضايا واضحة أساء التعاملَ معها، وأمور مصيرية خطيرة لم يُعطِها حقّها، واستخفَّ بوزنها؛ فأربكه عند الامتحان تفريطُه، واضطرب لإساءته، وخفّت موازينُه باستخفافه فكان نهبَ الدّهشة والاضطراب والحيرة، وأسير الألم والحسرة، ومن الأخسرين أعمالًا، والموعودين ناراً.
عن الإمام زين العابدين عليه السلام: «كَأَنْ قَدْ أَوْفَيْتَ أَجَلَكَ، وقَبَضَ الْمَلَكُ رُوحَكَ،وصِرْتَ إِلَى قَبْرِكَ وَحِيدا، فَرَدَّ إِلَيْكَ فِيه رُوحَكَ، واقْتَحَمَعَلَيْكَ فِيه مَلَكَانِ: نَاكِرٌ ونَكِيرٌ لِمُسَائَلَتِكَ، وشَدِيدِامْتِحَانِكَ، أَلَا وإِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِيكُنْتَ تَعْبُدُه، وعَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ، وعَنْ دِينِكَالَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِه، وعَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوه[١]، وعَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلاه، ثُمَّ عَنْ عُمُرِكَفِيمَا كُنْتَ أَفْنَيْتَه، ومَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَه وفِيمَا أَنْتَأَنْفَقْتَه، فَخُذْ حِذْرَكَ، وانْظُرْ لِنَفْسِكَ، وأَعِدَّ الْجَوَابَ قَبْلَالِامْتِحَانِ، والْمُسَائَلَةِ والاخْتِبَارِ» [٢].
من الضّروري أن نتصوّر لحظة الأجل التي قد تبعد شيئاً ما عن اللحظة التي نحن فيها، وقد تكون أقرب جدّاً مما يذهب إليه الظن.
الفرار من تصور تلك اللحظة لا يُغني ولا يُعفي لأنّ الحقائق لا يُلغيها أن يُغفلَ عنها، ولا يُقلّل من الآثار الخطيرة المهلكة لعدم مراعاتها أن تُهمَل، وما لا بدَّ من وقوعه واقع فإذا جاء على غير استعداد من النفس مثَّل صدمةً هائلة، وعلى غير تهيّؤ من العمل والتوقي والاحتياط أهلك ودمّر، فلو أمكن
[١]. إمام حق، إمام باطل؟ بعد أن عرفت إمام الحق، وأعلنت ولاءك له، هل أخذت بخطواته؟! «منه حفظه الله»
[٢]. الكافي للكليني: ٨/ ٧٣ ح ٢٨.