معرفة العقيدة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٣
أكثر من عقل [١]، والعقلُ المكتشف لعلة شيء، الواجدُ لها ينتج معلولها. نعم يمكن أن يتقدم عقل على آخر زماناً في اكتشاف هذه العلة، وتحقيق معلولها.
وهذا التقدم أو التأخر في الاكتشاف ليس خاصّاً بالمعجز حتى يكتسب دلالة خاصَّة.
ولو تمّت المساواة بين علة المعجز وغيره، في إمكان اكتشافهما بالأدوات المعرفية عند غير الأنبياء لسقطت قيمة المعجز حقّاً في إثبات أن صاحب المعجز نبي أو مرسل من الله سبحانه.
لكن لا دليل على الإطلاق على هذه المساواة، فضلًا عن أن تكون أمراً بديهيّاً، فلا بديهية لهذه المساواة كبديهية مبدأ العليّة ولا دليل عليها من ناحية علميَّة.
فإذا كان للمعجز علّتُه التي لا تملك التجارب العلمية التي تعتمد عليها منجزات الإنسان في مجال الاكتشاف والاختراع أن تصل إليها؛ امتنع أن يقاس المعجز بالمنجزات البشرية في إمكان تحقّقه من غير الأنبياء المدعومين بالغيب دعماً خاصّاً للدلالة على نبوّتهم.
فالمعجز له علّة، لكن لا يلزم أن تكون هذه العلة متاحاً للوسائل العلميَّة التي تملكها الطبيعة البشرية أن تتعرّف عليها.
[١]. لو أمكن اكتشاف علّة المعجز من أكثر من عقل، كما يمكن اكتشاف علّة الظاهرة الطبيعية من أكثر من عقل مع فارق التقدم والتأخر الزمني لسقطت دلالة المعجز على ما نريد أن نستدل به عليه من نبوة النبي ورسالة الرسول، لكن الأمر ليس كذلك فإن للمعجز علّة قد تختلف في طبيعتها عن علّة الظاهرة الطبيعية بحيث أن لا طريق للعقل البشري لاكتشاف علّة المعجز، وإن كان المعجز ليس بلا علّة، صحيح أن المعجز له علّة، والظاهرة الطبيعية لها علّة، لكن علّة الظاهرة الطبيعية ميسور للعقل البشري أن يصل إليها بينما علّة المعجز منسدّ أمام العقل أن يصل إليها، علّة الظاهرة الطبيعية يمكن أن تصل التجارب إليها، بينما علّة المعجز لا يمكن أن تصل التجارب إليها، هذا هو لبّ الفكرة باختصار. «منه حفظه الله»