معرفة العقيدة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٠
خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) [١].
خَلْق السماء والأرض لتزولا، وخلق كلّ شيء ليذهب بلا بقاء لشيء مما يوجد، ولا مقدِّميّة من هذه الأشياء لموجود يكون له الاستمرار لعب منفيٌّ عن الحكيم، ولا يُخرج هذا الخَلقَ عن وصف اللعب أن تبقى الأشياءُ وقتاً محدوداً، وأن تكون لها غاياتٌ قصيرة متقضّية كما في تسخيرها لإنسانٍ يأتي عليه الهلاك بلا إعادة لحياته، ليجد ما قدّم من عمل، وينال ما هيأ نفسه له من جزاء.
ويقابل الخلق اللعبَ الخلقُ الحقُّ اللائقُ بالحقِّ والحكيمِ المطلق، وخلقُ السماوات والأرض بالحقِّ مرتبطٌ بيوم الفصل، وموعدِ القيام، وتيبُّن الحقِّ من الباطل، والتمييز بين الأخيار والأشرار، وإقامةِ القضاء العدل بين النّاس ليلقى كلّ امرء ما عمل، ويُجزى الظالم والمظلوم ما يوافق ظلم الظالم من الاقتصاص، ومظلومية المظلوم من الإنصاف.
إنه الظن السيء، البعيد عن الحق، القائم على الغفلة، المنفصل عن النظر العلمي، والتدبُّر في الخلق أن يرى الإنسان أنه يُترك سدى، ويُهملُ أمره، ويعيش حياته الدّنيا يجدُّ فيها أو يلعب، ويُحسِن أو يُسيء، ويؤمن أو يكفر ثمّ ينتهي وكأنه لم يكن شيئاً، ويذهب بلا حساب، ولا جزاء، وكأنّ الخلقَ بلا حكمة، والإيجادَ بلا غاية، وكأنّ الخالق يخلق ويُهمِل، ويوجد لعباً وعبثاً.
ولو أعطى الإنسان النظرَ العلميّ حقّه، وأمعن في مراحل وجوده وحياته لوجد غير ذلك، وأنّ لكل مرحلة من مراحل وجوده وتطوره غاية توصل إليها، وتقع مقدِّمة في طريقها، وأنْ لم يأت شيء من هذه المراحل عبثاً، ولم يقعْ لعباً.
وإنَّ هذا الخلق المتدرّج الدّقيق كما هو ناطق بالتخطيط المتقن والحكمة، ناطقٌ كذلك بالقدرة، يقول سبحانه: (أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً،
[١]. الدخان: ٣٨- ٤٠.