معرفة العقيدة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٦
[ولنقف عند العقل، العقل الاستدلالي الإبراهيمي من خلال] بعض الإضاءات مما تغنى به الآيات الكريمة:-
١. ليلُ غير العابثين يُرهف الشعور بهدوئه وسكونه، ويستثير التفكير، ويبعث التأملات العميقة، وينفصل بالمرء عن العالم القريب، واللحظة الحاضرة العابرة، وصخب الواقع السطحي إلى الآفاق البعيدة من الحياة والوجود، والتخوم الضاربة إلى منتهى الكون المحدود، لتفضي بالتأملات والإشراقات إلى ما وراء المحدود، فإذا جنَّ الليل على العاقل نَقَلَه إلى حياة جديدة يحياها، منشدّاً إلى البعيد اللامحدود، بدرجة أكثر قوّة وغزارة مما هو عليه في بياض النّهار، على أن حضارة اللهو والمجون اليوم، تملك على الناس كلّ وقتهم، وتَسْرِقُ منهم ليلَهم والنهار.
٢. يبعد على إبراهيم عليه السلام بما فيه من مشروع نبيٍّ عظيم، من أولي العزم، أن يرى في الممكن واجباً، وفي المخلوق خالقاً، وفي المربوب ربّاً، ومن هنا يُحمل قوله: (هذا رَبِّي)، عند طلوع الكوكب والقمر والشمس، على الطرح الفرضي، من أجل مناقشة الفكرة، وبيان بطلانها، في أسلوب حوار راقٍ، بعيد عن استفزاز الطرف الآخر، بما يجعله متشنجاً، ويسدُّ عليه فرص الهداية والقبول بالحق.
قاسم، عيسى احمد، معرفة العقيدة، ١جلد، مركز المصطفى (ص) العالمي للترجمة و النشر - قم - ايران، چاپ: ١، ١٤٣٧ ه.ق.
بيَّن إبراهيم عليه السلام: أن الربَّ هو محبوب العقل الوعيّ، ومعشوق القلب الزكي، والمثل الأعلى على الإطلاق الذي تنشد إليه الفطرة النقية، وتتجه دائماً إليه، والأفول- وهو الغياب- آية المملوكية لا المالكية، والعبودية لا الربوبيَّة، والمحدودية لا الإطلاق، والمقهورية لا القاهرية فكلُّ ما جاز عليه الأفول، وكان غير معتصم من ذاته عن التغيُّر والانفعال وتبدُّل الأحوال فهو مربوب لا رب، ومخلوق لا خالق، ومن الزور أن يُعبد، ومن الباطل أن يُتخذ إلهاً.
وقد جاء قول إبراهيم عليه السلام: (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)، حكماً معلَّلًا بإسقاط