معرفة العقيدة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٥
وعليه كان وجود النفس دالًّا يقينًا على أنَّ لها صانعًا مدبّرًا، وهو الصانع الخالق المدبّر لكلِّ ما في الكون والوجود مطلقًا ممن هو مثلها في كونه شيئًا له وجود ولكنه ليس حقيقتُه هي حقيقةَ الوجود كما هو الله سبحانه [١].
ولأنَّ ظهور كلّ المخلوقات بخالقها [٢]، والمربوب بالرَّب، ولولاه لما كان لها نصيبٌ من الظهور فالحق أنه هو الدّال عليها، وليست هي الدالّ عليه [٣]، ولا تملك نفسٌ أي دلالة على ذاته، ولا على صفةٍ من صفاته وأسمائه الحسنى، والاستدلال عليه سبحانه بخلقه إنما هو بما أعطى هذا الخلق من دلالة عليه من خلال تجلِّي شيءٍ من عظمته فيه [٤]" [٥].
والانتقال والحركة دالان على الحدوث، ومن جازت عليه الحركة كان مخلوقاً مُحدَثاً مُحتاجاً إلى المحدث، ولذا استدلّ إبراهيم عليه السلام بالأفول على الحدوث، كما أشار إليه" الكتاب المجيد في حديثه عن النبيِّ إبراهيم عليه السلام في هذه الآيات المباركات: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [٦].
[١]. فرق بين كلّ المخلوقات وبين الخالق أن الله محض الوجود ولا غير، بينما نحن أشياء وحقائق وماهيات صغيرة محدودة أكسبها الله عزوجل وألبسها ثوب الوجود. «منه حفظه الله»
[٢]. لا يظهر مخلوق إلا بخالقه. «منه حفظه الله»
[٣]. أنا لا أدلّ على الله، وإنما الله عزوجل دلّ عليّ. «منه حفظه الله»
[٤]. أنا أرى منك قدرةً محدودة من قدرة الله المطلقة، أنا أرى منك علما محدودا من علم الله المطلق، أنا أرى الله سبحانه وتعالي فيك، أنا أرى فيك الله عزوجل في صورة تجلٍّ محدود بقدرك وليس أكثر. «منه حفظه الله»
[٥]. خطبة الجمعة (٥٩٤) ١٩ جمادى الأول ١٤٣٥ ه-- ٢١ مارس ٢٠١٤ م.
[٦]. الأنعام: ٧٦- ٧٩.