رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٩٠ - الكلام في الاستدلال بالروايات الدالّة على الاختيار

وقدراً لازماً، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر من اللََّه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمةٌ للمذنب، ولا محمدةٌ للمحسن ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها، إنّ اللََّه تبارك وتعالى كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يملِّك مفوّضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، فأنشأ الشيخ يقول:
أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً * جزاك ربّك بالإحسان إحسانا[١]
الرواية الشريفة من أحسن الروايات الواردة في المقام، ولقد بيّنت عمدة ما في مسألتنا - الجبر والاختيار - من الغوامض والنكات المهمّة:
الاُولى: تقسيم القضاء والقدر إلى قسمين: حتميّين وغير حتميّين، وأنّ الذي تعلّق منهما بالأفعال هو القسم الثاني، غير الموجب لاضطرار العباد في أفعالهم وسيأتي لذلك زيادة توضيح في تفسير معنى القضاء والقدر إن شاء اللََّه تعالى‌[٢].
الثانية: تحقّق الملازمة بين كون الأفعال مقضيّاً عليها بالقضاء الحتم، وبين بطلان الثواب والعقاب، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولغوية المدح والذمّ لوضوح عدم كون المحسن فاعل الفعل الحسن، والمذنب فاعل الفعل القبيح.

[١] الوافي ١: ٥٣٥ / ب‌٥٤ ح‌١، الكافي ١: ١٥٥ / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح‌١.
[٢]في ص‌٩٧ وما بعدها.