رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦ - في أنّ الوجدان من أقوى الأدلّة الضرورية

نظرية وبديهية، وهناك موارد اُخرى أوجبت دعوى الوجدان فيها القصور في الالتفات إليها ولو من ناحيةٍ ما، فلربما لا تلتفت النفس تمام الالتفات إلى أمر وهي تتخيّل حضوره فيها بجميع ما له من الشؤون، فيدّعى الوجدان مع أنّ الالتفات لو كان تامّاً لكان الوجدان على خلافه، وما ذلك إلّالاختلاف ما هو شرط في دعوى الوجدان.
ونظير هذا في المطالب المفتقرة إلى الاستدلال ما عن بعض المعاصرين من الفلاسفة، حيث يقول: إنّ كثيراً ما تكون جميع المقدّمات المرتّبة لتحصيل مطلوب صحيحة تامّة، ولكن الغفلة عن اشتراط شرط في المقدّمة أو اشتراط عدمه يوجب كون الاستنتاج عقيماً، وهذا منبّه جيّد.
فما يدور في ألسنة البعض من أنّ الوجدان ليس حاكماً لأنّ الخصم أيضاً يدّعيه، فهو من القصور وعدم التنبّه لما ذكرناه من أنّ قصوراً ما في شؤون الحكم الوجداني من اكتساب طرفي القضية وغيره يوجب منافرة الحكم عن النفس.
التاسع: لا يعقل وقوع التعارض بين دليلين موجبين للقطع، ضرورة رجوعه إلى اجتماع النقيضين، من دون فرق بين كون الدليلين عقليين أو نقليين أو مختلفين، فإنّ القطع بشي‌ء يستلزم إلغاء احتمال خلافه، فضلاً عن القطع به.
ومن ذلك يتبيّن أنّه لا يجتمع القطع الحاصل من دليل مع الظنّ الحاصل من دليل آخر على خلافه، كما أفاده شيخنا العلّامة أعلى اللََّه مقامه في الرسائل بقوله: فليت شعري إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشي‌ء كيف يجوز حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي على خلافه‌[١].
ثمّ إنّ مباحث التعارض وإن كانت في نفسها كثيرةً مذكورة في الاُصول،

[١] فرائد الاصول ١.٦٣/الامر الثانى.