رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٩

إنّما استقلّ بحسن الصدق الذي لا تترتّب عليه مفسدة، وبقبح الكذب الذي لم يعرض عليه عنوان حسن عقلاً وشرعاً.
القسم الثالث: ما لا يكون في نفسه متّصفاً بالحسن ولا بالقبح، وإنّما يكون اتّصافه بواحد منهما بتبع عروض عنوان آخر، كالمشي بلا غرض يوجبه، ونحوه من الأفعال المباحة عقلاً وشرعاً، فإنّها في نفسها لا تكون قبيحة ولا حسنة، كما أنّه إذا كانت لغاية قبيحة أو حسنة كانت قبيحة أو حسنة، ومع قطع النظر عن عروض العنوان الخارجي لا يتّصف بشي‌ء منهما، والعقلاء لا يمدحون فاعله بفعله هذا، ولا يذمّونه.
إذا عرفت ذلك ظهر لك جواب الأشعري فيما ذكره من الأمرين، وتوضيح الجواب: أنّ استقلال العقل بقبح الكذب وحسن الصدق ليس على حذو استقلاله بقبح الظلم وحسن العدل لئلّا يعقل التخلّف في موردٍ ما، وإنّما استقلّ بقبح الكذب فيما لم يتعنون بعنوان حسن عقلاً وشرعاً، كما إذا كان موجباً لإنجاء مؤمن أو إصلاح ذات بينٍ ونحو ذلك، والكذب في أمثال هذه الموارد لم يكن محكوماً بحكم العقل بالقبح من الأوّل، لا أنّه كان قبيحاً وارتفع قبحه، فعدم ثبوت الحكم له إنّما هو لعدم دخوله في موضوع القضيّة العقليّة، لا أنّه خرج عنها بالتخصيص.
وأمّا النقض بالوعد على الكذب فيدفعه أنّ العقل لم يستقل بحسن الوفاء بالوعد مطلقاً، وإنّما استقلّ به فيما إذا لم يكن الموعود به قبيحاً عقلاً وشرعاً، وإلّا كان العمل بالوعد قبيحاً لا محالة، وليس ذلك من باب التخصيص، بل هو من باب التخصّص وارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه.
ثمّ لا يخفى أنّا لم نرد بلفظ الحكم في قولنا: يحكم العقل بقبح الظلم وحسن العدل واللطف على اللََّه تبارك وتعالى، معناه الاصطلاحي المتبادر إلى الذهن من البعث والإلزام والإيجاب ونحو ذلك كي يقال باستحالته، إذ كيف يعقل حكومة