رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨

الأفعال الصادرة اختياراً من العباد على أقسام ثلاثة:
القسم الأوّل: ما لا يعقل انفكاكه عن الحسن أو القبح كما لا يعقل انفكاك العلّة التامّة عن معلولها، وذلك مثل العدل والظلم، فمتى صدق على فعل أنّه ظلم كان قبيحاً لا محالة، كما أنّه متى صدق عليه العدل كان حسناً بالضرورة، وفي مثل ذلك يستحيل ارتفاع الحسن أو القبح إلّابارتفاع موضوعه وتغيّره، فلا يكون عدم الاتّصاف بالحسن أو القبح حينئذ من جهة التخصيص في حكم العقل، بل من جهة التخصّص وكون سلب الحكم من جهة انتفاء موضوعه، مثلاً إنّ ضرب اليتيم للتشفّي أو الإيذاء ظلم، وهو قبيح، لكنّه متى كان بقصد التأديب لا يكون ظلماً، فلا يكون قبيحاً، لا أنّه ظلم وليس بقبيح.
ومن ذلك يظهر الحال في العدل والإحسان وإطاعة المولى الحقيقي، فإنّها لا تنفكّ عن الحسن أبداً، إلّامع تغيّرٍ في عناوينها، فينتفي الحكم بانتفاء موضوعه.
القسم الثاني: ما يعقل فيه الانفكاك عن الحسن أو القبح بعروض عنوان آخر مغيّر لحكمه مع بقاء العنوان الأوّلي بحاله، إلّاأنّ الفعل في ذاته وفي طبعه يكون حسناً أو قبيحاً، فنسبة الفعل إلى أحدهما كنسبة المقتضي إلى مقتضاه، وذلك مثل الصدق والكذب، فإنّهما في نفسهما يتّصفان بالحسن والقبح، لكنّه لا يمنع العقل من طروء بعض الحالات والاعتبارات الموجب لانقلابهما عمّا كانا عليه.
فالصدق في نفسه وإن كان حسناً، إلّاأنّه إذا ترتّب عليه سفك الدماء ونهب الأموال بل أقلّ وأيسر من ذلك ارتفع حسنه، وكان من القبائح الواضحة التي يدركها كلّ عاقل، وكذلك الكذب فإنّه في نفسه وإن كان قبيحاً، إلّاأنّه إذا ترتّب عليه صيانة النفوس وحراسة الأعراض والأموال لم يكن قبيحاً، بل كان ممّا استقلّ العقل بحسنه وندب الشرع إليه.
وإن شئت قلت: إنّ العقل لم يستقلّ بحسن كلّ صدق ولا بقبح كلّ كذب، بل