رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧١ - في بيان كيفية صدور الأفعال عند المتأخّرين من الفلاسفة

وكلّ حركة من حيوان أو إنسان إن هي إلّانتيجة حتمية آلية لتلك الدفعة الإلهية الاُولى، فإذن العالم كلّه بما فيه من أجسام آلية تسير مجبرة[١].
وقد نقل عن الأوّل منهما: أنّ ما نشعر به في أنفسنا من حرّية في العمل فليس سوى جهل بالأسباب التي تؤدّي إليه، وكما تلزم الخواص الهندسية للمثلّث من طبيعة شكل المثلّث، كذلك يلزم سلوك كلّ كائن حي من محض طبيعته‌[٢].
هذا هو مقتضى قاعدة العلّية العامّة، وأحسن عبارة كاشفة عنه هو ما سمعته من اعتبار العالم دائرة مقفلة من الحوادث، يتّصل بعضها ببعض اتّصالاً علّياً بحتاً.
وقد وعدنا سابقاً أن نذكر إحدى شبهات الأشاعرة عند هذا البحث، وهاهي التي نقرّرها مستوفى.
ولا يخفى أنّ هذا التعابير التي نقلناها من مصادرها لا تبعد عن اتّفاق القدماء من الفلاسفة بذهابهم إلى اعتبار الكون كلّه منظّماً بنظام جملي، بعضه علل وبعضه معاليل وغايات، ومن المستحيل وقوع التخلّف والتبدّل فيما هو اقتضاء السلسلة (الدائرة المقفلة) هذا هو مقتضى القانون المعروف عند المتأخّرين بقانون العلّة العامّة.
وأمّا مذهب الغاية فقد فسّره في المدخل إلى الفلسفة بقوله: وتظهر لنا فكرة الغاية كما تظهر في الكائن الحي الذي تعمل أعضاؤه ووظائفه وتؤثر أجزاؤه المختلفة بعضها في بعض من أجل المحافظة على نفسه وعلى نوعه، بل إنّنا ننتقل من فكرة

[١] قصّة الفلسفة الحديثة ١: ١٣١ (حيث حكاه عن ديكارت صاحب كتاب العالم ضمن ترجمة سبينوزا).
[٢]قصّة الفلسفة الحديثة ١: ١٥٩ (حكاه عن سبينوزا صاحب كتاب الأخلاق...)، المدخل إلى الفلسفة: ٢٢٤ (ولا يخفى أنّ العبارة ذكرت في المصدر الأوّل مضموناً).