رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦١ - البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه

فإنّه يرد عليه: أنّ الفعل إذا كان ضروري الوجود ولو لضرورة مباديه وامتنع عدمه في الخارج، كيف يعقل البعث إليه أو الزجر عنه حقيقة، أو ليس التكليف وبعث الرسل وإنزال الكتب حينئذ من العبث واللغو الظاهر، تعالى اللََّه عن ذلك علوّاً كبيراً، أفهل أوجب تسمية الأمر النفساني إرادة واختياراً مع فرض ضرورة وجوده وكونه علّة الفعل صحّة البعث والزجر وصحّة العقاب والثواب.
وليت شعري ما هو الفارق بين الإرادة المفسّرة عنده وعند الفلاسفة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات، وبين الخوف الحادث للنفس الموجب للوقوع على الأرض أو أمر آخر، فإن ترتّب الفعل على كلتا الصفتين ضروري ومن باب ترتّب المعلول على علّته، وحدوث كلتا الصفتين في النفس خارج عن اختيارها، فبماذا تفترق الصفتان غير تسمية الاُولى بالإرادة والثانية بالخوف، وبماذا صحّ التكليف والعقاب والثواب مع الاُولى دون الثانية.
وأمّا ما ذكره‌ في الجزء الثاني من الكفاية من أنّ بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته، لتكمل به نفسه، ويخلص مع ربّه اُنسه، وليكون حجّة على من ساءت سريرته وخبثت طينته، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيّ عن بيّنة[١] انتهى.
فيظهر جوابه ممّا بيّناه، إذ الفعل بعد ضرورة وجوده وانتهائه إلى الذات كيف يعقل إقامة الحجّة على فاعله، أفهل يعقل سلب الذاتي عن الذات بإقامة ألف حجّة؟ أو يعقل تخلّف المعلول عن علّته!
وليت شعري كيف يعقل الجمع بين القول بأنّ الحياة والهلاك كلاهما عن بيّنة والقول بأنّ الفعل معلول للإرادة ويستحيل انفكاكه عنها، والإرادة منتهية إلى‌

[١] كفاية الاُصول: ٢٦١.