إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٢ - بيان
قال ابن مسعود رحمه اللّه:قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم«أنت منهم» يعنى من القليل .قال[١]و ما عرفت أن فينا من يحب الدنيا حتى نزل قوله تعالى (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيٰا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [١]) و اعلم أنه ليس من الزهد ترك المال و بذله على سبيل السخاء و الفتوة،و على سبيل استمالة القلوب،و على سبيل الطمع،فذلك كله من محاسن العادات،و لكن لا مدخل لشيء منه في العبادات.و إنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة.فأما كل نوع من الترك فإنه يتصور ممن لا يؤمن بالآخرة.فذلك قد يكون مروءة،و فتوة، و سخاء،و حسن خلق.و لكن لا يكون زهدا إذ حسن الذكر و ميل القلوب من حظوظ العاجلة ،و هي ألذ و أهنأ من المال.و كما أن ترك المال على سبيل السلم طمعا في العوض ليس من الزهد،فكذلك تركه طمعا في الذكر،و الثناء،و الاشتهار بالفتوة و السخاء ،و استثقالا له لما في حفظ المال من المشقة،و العناء،و الحاجة إلى التذلل للسلاطين و الأغنياء ليس من الزهد أصلا.بل هو استعجال حظ آخر للنفس.بل الزاهد من أتته الدنيا راغمة،صفوا عفوا، و هو قادر على التنعم بها،من غير نقصان جاه و قبح اسم ،و لا فوات حظ للنفس،فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير اللّه،و محبا لما سوى اللّه،و يكون مشركا في حب اللّٰه تعالى غيره،أو تركها طمعا في ثواب اللّه في الآخرة،فترك التمتع بأشربة الدنيا طمعا في أشربة الجنة و ترك التمتع بالسراري و النسوان طمعا في الحور العين،و ترك التفرج في البساتين طمعا في بساتين الجنة و أشجارها،و ترك التزين و التجمل بزينة الدنيا طمعا في زينة الجنة،و ترك المطاعم اللذيذة طمعا في فواكه الجنة،و خوفا من أن يقال له (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبٰاتِكُمْ فِي حَيٰاتِكُمُ الدُّنْيٰا [٢]) فآثر في جميع ذلك ما وعد به في الجنة على ما تيسر له في الدنيا عفوا صفوا ،لعلمه بأن ما في الآخرة خير و أبقى،و أن ما سوى هذا فمعاملات دنيوية لا جدوى لها في الآخرة أصلا
[١] آل عمران:١٥٢
[٢] الاحقاف:٢٠