إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠٢
في نفسي أحمله حتى يجيء صاحبه،فربما يعطيني شيئا فأراده عليه.فإذا أنا بتلك المرأة فقالت لي:
أنت تاجر تقول عسى يجيء صاحبه فآخذ منه شيئا!ثم رمت لي شيئا من الدراهم و قالت:
أنفقها.فاكتفيت بها إلى قريب من مكة و حكي أن بنّانا احتاج إلى جارية تخدمه،فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها،و قالوا هو ذا يجيء النفير فنشتري ما يوافق.فلما ورد النفير اجتمع رأيهم على واحدة،و قالوا إنها تصلح له.فقالوا لصاحبها.بكم هذه؟فقال إنها ليست للبيع.فألحوا عليه،فقال إنها لبنان الحمال،أهدتها إليه امرأة من سمرقند،فحملت إلى بنان و ذكرت له القصة و قيل كان في الزمان الأول رجل في سفر و معه قرص.فقال إن أكلته مت.فوكل اللّه عز و جل به ملكا و قال:إن أكله فارزقه،و إن لم يأكله فلا تعطه غيره.فلم يزل القرص معه إلى أن مات و لم يأكله،و بقي القرص عنده و قال أبو سعيد الخراز.دخلت البادية بغير زاد،فأصابتنى فاقة،فرأيت المرحلة من بعيد،فسررت بأن وصلت.ثم فكرت في نفسي أنى سكنت و اتكلت على غيره؛و آليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها.فحفرت لنفسي في الرمل حفرة،و واريت جسدي فيها إلى صدري.فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا.يا أهل المرحلة،إن شاء اللّٰه تعالى وليا حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه.فجاء جماعة فأخرجونى و حملونى إلى القرية و روي أن رجلا لازم باب عمر رضي اللّه عنه،فإذا هو بقائل يقول.يا هذا هاجرت إلى عمر أو إلى اللّٰه تعالى؟اذهب فتعلم القرءان فإنه سيغنيك عن باب عمر.فذهب الرجل و غاب حتى افتقده عمر،فإذا هو قد اعتزل و اشتغل بالعبادة.فجاءه عمر فقال له.إنى قد اشتقت إليك،فما الذي شغلك عنى؟فقال إنى قرأت القرءان فأغنانى عن عمر و آل عمر.
فقال عمر:رحمك اللّه،فما الذي وجدت فيه؟فقال وجدت فيه (وَ فِي السَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ [١]) فقلت رزقي في السماء و أنا أطلبه في الأرض،فبكى عمر و قال صدقت.فكان عمر بعد ذلك يأتيه و يجلس إليه و قال أبو حمزة الخراساني:حججت سنة من السنين، فبينا أنا أمشى في الطريق إذ وقعت
[١] الذاريات:٢٢