إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٩ - بيان
فيأخذ النطفة في يده ثم يصوّرها جسدا فيقول يا رب أذكر أم أنثى أ سوي أم معوج فيقول اللّه تعالى ما شاء و يخلق الملك»و في لفظ آخر«و يصوّر الملك ثمّ ينفخ فيه الرّوح بالسّعادة أو بالشّقاوة» و قد قال بعض السلف:إن الملك الذي يقال له الروح،هو الذي يولج الأرواح في الأجساد و أنه يتنفس بوصفه.فيكون كل نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم،و لذلك سمي روحا. و ما ذكره في مثل هذا الملك و صفته فهو حق،شاهده أرباب القلوب ببصائرهم فأما كون الروح عبارة عنه فلا يمكن أن يعلم إلا بالنقل،و الحكم به دون النقل تخمين مجرد و كذلك ذكر اللّه تعالى في القرءان من الأدلة و الآيات في الأرض و السموات ثم قال (أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [١]) و قال (شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ [٢]) فبين أنه الدليل على نفسه و ذلك ليس متناقضا.بل طرق الاستدلال مختلفة، فكم من طالب عرف اللّه تعالى بالنظر إلى الموجودات،و كم من طالب عرف كل الموجودات باللّه تعالى كما قال بعضهم:عرفت ربي بربي،و لو لا ربي لما عرفت ربي:و هو معنى قوله تعالى (أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٣]) و قد وصف اللّه تعالى نفسه بأنه المحيي و المميت،ثم فوض الموت و الحياة إلى ملكين.
ففي الخبر[١]«أنّ ملكى الموت و الحياة تناظرا فقال ملك الموت أنا أميت الأحياء و قال ملك الحياة أنا أحيي الموت فأوحى اللّه تعالى إليهما كونا على عملكما و ما سخّرتكما له من الصنع و أنا المميت و المحيي لا يميت و لا يحيى سواي» فإذا الفعل يستعمل على وجوه مختلفة،فلا تتناقض هذه المعاني إذا فهمت.و لذلك [٢]قال صلى اللّه عليه و سلم للذي ناوله التمرة«خذها لو لم تأتها لأتتك» أضاف الإتيان
[١] فصلت:٥٣
[٢] آل عمران:١٣
[٣] فصلت:٥٣