إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٧ - خوف رسول اللّٰه(ص)
و هكذا جميع ضرورات أمورك إن اقتصرت عليها تفرغت للّٰه،و قدرت على التزود لآخرتك،و الاستعداد لخاتمتك.و إن جاوزت حد الضرورة إلى أودية الأمانى تشعبت همومك،و لم يبال اللّه في أي واد أهلكك فاقبل هذه النصيحة ممن هو أحوج إلى النصيحة منك و اعلم أن متسع التدبير و التزود و الاحتياط هذا العمر القصير.فإذا دفعته يوما بيوم في تسويفك أو غفلتك،اختطفت فجأة في غير وقت إرادتك،و لم تفارقك حسرتك و ندامتك.فإن كنت لا تقدر على ملازمة ما أرشدت إليه بضعف خوفك،إذ لم يكن فيما وصفناه من أمر الخلقة كفاية في تخويفك،فإنا سنورد عليك من أحوال الخائفين ما نرجو أن يزيل بعض القساوة عن قلبك،فإنك تتحقق أن عقل الأنبياء،و الأولياء،و العلماء، و عملهم و مكانهم عند اللّه تعالى،لم يكن دون عقلك،و عملك،و مكانك.فتأمل مع كلال بصيرتك،و عمش عين قلبك في أحوالهم ،لم اشتدّ بهم الخوف،و طال بهم الحزن و البكاء حتى كان بعضهم يصعق،و بعضهم يدهش،و بعضهم يسقط مغشيا عليه،و بعضهم يخر ميتا إلى الأرض.و لاغرو إن كان ذلك لا يؤثر في قلبك،فإن قلوب الغافلين مثل الحجارة أو أشد قسوة،و إن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار،و إن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، و إن منها لما يهبط من خشية اللّه،و ما اللّه بغافل عما تعملون
بيان
أحوال الأنبياء و الملائكة عليهم الصلاة و السلام في الخوف
[خوف رسول اللّٰه(ص)]
روت[١]عائشة رضي اللّه عنها،أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان إذا تغير الهواء و هبت ريح عاصفة،يتغير وجهه،فيقوم و يتردد في الحجرة،و يدخل و يخرج،كل ذلك خوفا من عذاب اللّه[٢]و قرأ صلى اللّه عليه و سلم آية في سورة الواقعة فصعق و قال تعالى (وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً [١])
[١] الأعراف:١٤٣