إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦ - بيان
على من طلب المعاني من الألفاظ،و لم يتبع الألفاظ المعاني.
فهذه إشارة إلى مجامع معانى الخوف،و ما يكتنفه من جانب العلو،كالمعرفة الموجبة له، و من جانب السفل.كالأعمال الصادرة منه كفا و إقداما
بيان
درجات الخوف و اختلافه في القوة و الضعف
اعلم أن الخوف محمود،و ربما يظن أن كل ما هو خوف محمود،فكل ما كان أقوى و أكثر كان أحمد.و هو غلط،بل الخوف سوط اللّٰه يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم و العمل، لينالوا بهما رتبة القرب من اللّٰه تعالى.و الأصلح للبهيمة أن لا تخلو عن سوط،و كذا الصبي.
و لكن ذلك لا يدل على أن المبالغة في الضرب محمودة.و كذلك الخوف له قصور،و له إفراط، و له اعتدال.و المحمود هو الاعتدال و الوسط.فأما القاصر منه فهو الذي يجرى مجرى رقة النساء،يخطر بالبال عند سماع آية من القرءان،فيورث البكاء.و تفيض الدموع.و كذلك عند مشاهدة سبب هائل .فإذا غاب ذلك السبب عن الحس رجع القلب إلى الغفلة.فهذا خوف قاصر قليل الجدوى ضعيف النفع.و هو كالقضيب الضعيف الذي تضرب به دابة قوية، لا يؤلمها ألما مبرحا،فلا يسوقها إلى المقصد،و لا يصلح لرياضتها.و هكذا خوف الناس كلهم إلا العارفين و العلماء.و لست أعنى بالعلماء المترسمين برسوم العلماء،و المتسمين بأسمائهم، فإنهم أبعد الناس عن الخوف.بل أعنى العلماء باللّٰه و بأيامه و أفعاله،و ذلك مما قد عز وجوده الآن و لذلك قال الفضيل بن عياض.إذا قيل لك هل تخاف اللّٰه فاسكت فإنك إن قلت:لا،كمرت، و إن قلت:نعم،كذبت.و أشار به إلى أن الخوف هو الذي يكف الجوارح عن المعاصي،و يقيدها بالطاعات.و ما لم يؤثر في الجوارح فهو حديث نفس و حركة خاطر،لا يستحق أن يسمى خوفا و أما المفرط،فإنه الذي يقوى و يجاوز حد الاعتدال،حتى يخرج إلى اليأس و القنوط، و هو مذموم أيضا،لأنه يمنع من العمل .و قد يخرج الخوف أيضا إلى المرض و الضعف، و إلى الوله و الدهشة و زوال العقل.فالمراد من الخوف ما هو المراد من السوط،و هو الحمل على العمل.و لولاه لما كان الخوف كما لا لأنه بالحقيقة نقصان،لأن منشأه الجهل و العجز.أما الجهل،